المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعـــدُ: فإنَّ نعم الله على عباده لا تُعدُّ ولا تحصى، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ [إِبۡرَاهِيم:٣٤]، وإنّ من أجلِّ تلك النِّعم، وأعظم تلك المِنَنِ، التي مَنَّ بها سبحانه على أمَّةِ محمدٍ ﷺ أنْ أنزلَ عليهم أفضلَ كتبه، القرآن العظيم.
وإنَّ الاشتغال بكتاب الله تعلَّماً وتعليماً، فهماً وتفسيراً، قراءةً وتطبيقاً، من أجلّ القُربات، وأكمل الطّاعات، فالسعادةُ كلّ السعادة لمن يتعلّم القرآن، ويفهمه ويعمل به، والخير كل الخير لمن يخدمه، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال ﷺ:" خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ" ١.
وبينما أقرأ في كتاب الله تعالى، كان يستوقفني كثيراً حديثُ القرآن عن المطلَّقات، وما أوجب لهنّ سبحانه من حقوق.
وقد رأيتُ أن أكتبَ بحثاً مختصراً، في جمع تلك الحقوق التي ذكرها الله في كتابه للمطلَّقات، وأقوم بدراستها؛ فوقع اختياري على موضوع: (حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم جمعاً ودراسة).
والمراد بحقوق المطلَّقات في هذا البحث:
مجموعة المبادئ الأخلاقية والقواعد والاستحقاقات والتشريعات، التي أشار إليها سبحانه في كتابه للمطلَّقات.
والحقّ في الشرع: واجب الأداء في حقِّ من وجب عليه، ولا يسقط إلا بإسقاط صاحبه، أو وجود مُسقطٍ شرعي.
مشكلة البحث: كثيراً ما يحصل نزاعٌ وخلاف بين الزوجين بعد الطلاق، قد ينسيهما الفضل بينهما، مع أن الله تعالى قد أمر بعدم نسيان الفضل بينهما، قال تعالى: ﴿وإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ﴾ [البَقَرَةِ : ٢٣٧]، وجاء في القرآن بيانُ كثير من الحقوق للمطلقات، والبحث في بيان تلك الحقوق، والتي قد تخفى على الكثير.
وتكمنُ مشكلة البحث في عددٍ من الأسئلة:
ـ ما الحقوق التي أوجبها الله في كتابه للمطلَّقات؟
ـ ما سبب عناية القرآن بحقوق المطلَّقات؟
ـ ما قيمة المطلَّقات في الإسلام، والتي أبرزها القرآن؟
أهداف البحث: وللبحث عددٌ من الأهداف أهمها:
١ـ التدليل على أنَّ القرآن الكريم منهاجٌ كاملٌ وشاملٌ، جاء بكليات الشَّريعة، والأصول في العبادات والمعاملات والأسرة، وجميع مجالات الحياة.
٢ـ بيان حقوق ومنزلة المطلَّقات، والمنهج الصحيح للتعامل معهن، من خلال آيات القرآن الكريم.
٣ـ الـتأسّي بالقرآن الكريم في الوقوف مع المطلَّقات ـــ كجانبٍ أضعف ـــ غالباً ما يُتسلَّط عليهنّ، والوقوف معهنّ، والتحذير من ظلمهنّ وأكل حقوقهنّ.
أهمية البحث وأسباب اختياره: يُبرزُ البحثُ مكانةَ المطلَّقات في الإسلام، وكيف بيّن القرآنُ عدداً من الحقوق لهنّ، وأكدَّ على إعطائهن ذلك، وحذَّر من نقص حقوقهنّ، وبيان عقوبة من تعدّى تلك الحدود التي رسمها الله في كتابه للتعامل معهنّ.
ونظراً لأهمية هذا البحث، فقد دفعني إلى اختياره أمورٌ منها:
١. يعتبر العمل خدمةً لكتاب الله ـــ عز وجل ـــ، والذي يعتبر من أعظم العبادات وأشرفها.
٢. إبراز حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم، وأنَّ الشريعة الإسلامية حفظت حقوق النّساء عموماً، والمطلَّقات خصوصاً.
٣. جمع عددٍ من حقوق المطلَّقات التي أشار إليها القرآن الكريم، ودراستها.
٤. جِدّة هذا الموضوع، حيث لم أقف ـــ حسب اطلاعي ـــ إلى من أفرد هذا الموضوع بتصنيفٍ مستقلٍ، وجَمَعَ مادته، ودرسها دراسة قرآنية، مع أهميته.
حدودُ البحث: اهتمَّ القرآن الكريم بذكر الحقوق والواجبات على المسلم عموماً، ومن ذلك عنايته بحقوق المرأة بشكلٍ عام، وجاء في القرآن الكريم بيان الحقوق والواجبات التي أوجبها الله للمطلَّقات على وجه الخصوص، فجاء البحثُ في حصر وجمع ما ورد في القرآن الكريم من حقوقٍ واجبةٍ للمطلَّقات ودراستها، دون حقوق المرأة عموماً. فبينهما عمومٌ وخصوص. ولا يشمل البحث جميع أحكام وتشريعات الطَّلاق، بل هو في الحقوق فقط، وكذلك لا يشمل جميع المُفَارِقاتِ لأزواجهنّ، بفسخ أو خلع أو وفاة أو ظهار أو لعان، بل هو محدود في المطلَّقات طلاقاً ـ بنوعيه ـ: طلاقاً رجعياً أو طلاقاً بائناً.
الدراسات السابقة: بعد البحث والسؤال ـــ بحسب ما تيسر لي ـــ لم أقف على من أفرد حقوق المطلقات في القرآن الكريم بدراسة قرآنية. وما وقفتُ عليه هي كتابات منثورة عن الحقوق بشكل عام سواء عن المرأة أو المطلقة مختلفة عن بحثي، أو أبحاث كُتبت بمنظور فقهي أو قانوني، وليسن بمنظور قرآني، وأقرب ما وقفت عليه من الأبحاث هي:
ـ حقوق المطلقة في القرآن الكريم للباحثة: سحر محمد فهمي كردية. منشور في المجلة الأردنية الدولية ٢٠٢١م، حاولت النظر في الآيات القرآنية التي تتعلق بحقوق المطلقة. متخذة من تفسير القرطبي نموذج إلى أقوال الفقهاء مع الاقتصار بالتعليق على أصحاب المذاهب الأربعة، ومن القانون الفلسطيني نموذجا للقوانين العربية. واشتمل البحث على أربعة مباحث: حق المطلقة في السكن، وفي المتعة، وفي الحضانة، وفي الخروج من المنزل.
ويظهر الاختلاف عن بحثي: من خلال منهج البحث وطريقة الكتابة فيه، حيث يظهر من طريقتها أنه بحث من منظور فقهي، عملت فيه مقارنة مع القانون الفلسطيني، ويختلف كذلك في أن الباحثة اقتصرت فيه على أربعة حقوق فقط. وبحثي جمع (٢٠) حقّاً للمطلقات، وبدراسة قرآنية.
ـ الحقوق المالية للمطلقة البائن دراسة فقهية مقارنة، للباحث: سعد بن علي عبدالله الأسمري، منشور في مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية عام ٢٠١٥م. والبحث محصور في بيان الحقوق المالية للمطلقة البائن؛ وكذا من منظور فقهي، ومختلف عن موضوع بحثي من خلال تنوع الحقوق، وحصره في المطلقة البائن، وأنه بحث فقهي مقارن، وبحثي دراسة موضوعية.
ـ الحقوق غير المالية للمطلقة البائن دراسة فقهية مقارنة، للباحث: سعد بن علي عبدالله الأسمري
منشور في مجلة الآداب الجمهورية اليمنية جامعة ذمار كلية الآداب.
والبحث محصور في بيان الحقوق غير المالية للمطلقة البائن؛ وكذا من منظور فقهي، ومختلف عن موضوع بحثي من خلال تنوع الحقوق، وحصره في المطلقة البائن، وأنه بحث فقهي مقارن، وبحثي دراسة موضوعية.
ـ الحقوق الشرعية للمطلقة د. إبراهيم بن ناصر الحمود، مجلة الجمعية الفقهية السعودية العدد ١٥ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٤، والبحث جمع فيه الباحث حقوق المطلقة المالية وغير المالية وحق المطلقة في المجتمع، وصاغه بصياغة فقهية. والبحث يختلف في أنه دراسة فقهية، وليس في التفسير وعلوم القرآن، ويختلف كذلك في حصر الحقوق.
منهج البحث: اجتهدتُ ـــ مستعيناً بالله ـــ في بحث هذا الموضوع، وفق منهج البحث العلمي، متَّبِعاً المنهج الاستقرائي التحليلي.
إجراءات البحث:
١ـ رجعتُ إلى الكتب التي اشتملت على مظانّ البحث، وتأملت آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن الطلاق وحقوق المطلقات، وجمعتُ المادة العلمية. وصغتُ البحث بأسلوبٍ علميٍ.
٢ـ جمعتُ ما وقفتُ عليه من حقوق بيّنها القرآنُ الكريم للمطلَّقات، ثم درستُ تلك الحقوق.
٣ـ وضعت عنواناً مناسباً لكل حقٍّ من الحقوق، أذكر فيه بعض ما وقفتُ عليه من أدلّة قرآنيةٍ تحته، مع تفسيرها تفسيراً مختصراً؛ لتكون شاهداً ودليلاً على هذا الحق.
٤ـ حاولتُ أن تكون الحقوق مما ورد ذكرها أو الإشارة إليها في القرآن الكريم، وقد أذكر أمثلة من السنّة النبوية.
٥ـ اقتصرتُ على ذكر الحقوق الواردة في القرآن للمطلَّقات، وبيانها ودراسة الآيات الواردة فيها دراسةً موضوعيةً، دون الدخول في التفاصيل في الأحكام الفقهية المتعلّقة بها، وذكر الخلافات الواردة، فهذا له موضع آخر، غير هذا البحث.
٦ـ عزوتُ الآياتِ القرآنية، وكتبتُها وفق الرَّسم العثماني. ذاكراً اسم السورة ورقم الآية فيها.
٧ـ خرجتُ الأحاديث النبوية من مصادرها الأصلية، مما يكفي في توثيقه وإثباته، وإن كان في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت بهما.
٨ـ وثّقتُ النصوص المنقولة من مصادرها الأصلية.
٩ـ حرصتُ على عدم إثقال الحواشي بالتراجم، إلا من كان غير مشهور عند العلماء. وتستدعي الحاجة لترجمته.
خطةُ البحث: اشتملت خطةُ البحث على: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة، وفهارس، رسمُها كالآتي:
المقدمة: فيها بيان مشكلة البحث، وأهدافه، وأهمية البحث، وأسباب اختياره، ومنهج البحث، وحدوده، وخطته.
التمهيدُ: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الطَّلاق في القرآن الكريم.
المطلب الثاني: التعريف بالحقوق وبالمطلَّقات.
المطلب الثالث: المطلَّقات في القرآن الكريم.
المطلب الرابع: أنواع الطَّلاق.
المبحث الأول: الحقوق المشتركة بين المطلقات في القرآن الكريم.
المبحث الثاني: حقوق المطلقات الرجعيات في القرآن الكريم.
المبحث الثالث: حقوق المطلقات البائنات في القرآن الكريم.
الخاتمة: فيها أهم نتائج البحث، وتوصياته.
الفهارس: وتشتمل على فهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.
التمهيدُ
يعدُّ الطلاق في المنظور القرآني علاجاً استثنائياً عند استحالة العشرة بين الزوجين، وليس مجرد هدم للأسرة، ونظراً لتوقع استمرار الخلاف ونسيان العشرة بينهما، جاء في القرآن الكريم بيان عدد من الحقوق للمطلَّقات.
ويتناول هذا التمهيد عدداً من المطالب المتعلقة بالبحث، والتي أرى ضرورة بيانها قبل البدء بذكر الحقوق فجاء التمهيد في أربعة مطالب:
المطلب الأول: الطَّلاق في القرآن الكريم
شرع الله عز وجل لعباده النكاح؛ لما فيه من مصالح دينية ودنيوية، ولأجل إقامة حياة أسرية مستقرة، مبناها على الود والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرُّوم:٢١]، وجاء النكاح في الشريعة الإسلامية؛ ليحقق عدداً من الأهداف منها: المحافظة على النَّسل واستمراره، والعفَّة، والمودَّة والسَّكن، والتعاون على المصالح الدنيويَّة والأخروية، واستيفاء اللذة والتمتع.
وجعل الله عزّ وجل عقد النكاح ميثاقا غليظا. قال تعالى: ﴿وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ [النِّسَاء:٢١]. فالنكاح: عهدٌ وميثاق غليظٌ لا يوجد له نظيرٌ من العقود، فإنّ أشد ما يكون من العقود وأخطر ما يكون منها هو عقد النكاح؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة، فهو أخطر العقود ٢.
والأصل في الزّواج أنّه عقدٌ دائمٌ غير مُؤَقتٍ؛ لكنّ شرع الله الطَّلاق عند عدم التوافق بين الزوجين لوجود اختلافٍ بينهما رُبما تصل إلى استحالة العيش؛ وحال تعذر إقامة حدود الله بينهما في العلاقة الزوجية، يصير بقاء النكاح مفسدةً محضةً.
والطَّلاق مشروعٌ في الإسلام دلّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
وتجري على الطَّلاق أحكام الشريعة الخمسة.
وشرع الله الطَّلاق كعلاجٍ أخيرٍ عند استحالة استمرار الزّواج، بعد محاولة الإصلاح والتوفيق بينهما. وذلك لدفع الضرر وإزالة المفاسد المترتبة على استمرار العلاقة بين الزوجين. قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ﴾ [النِّسَاء:١٣٠].
وإن كان الطَّلاق ليس محبّباً كما روي من حديث ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: " أبغض الحلال إلى الله الطَّلاق"٣. إلا أنّه وسيلة يُلجأ إليها، في حال انغلاق جميع سُبل التوافق بين الزوجين، وحال عدم القدرة على استمرار الحياة بينهما.
ومن حكمته سبحانه أنه شرع الطَّلاق بعددٍ معينٍ لحكمةٍ معينةٍ، فإنّ الطَّلاق يقع أحيانا بسبب العجلة والسرعة في اتخاذ القرار، وعدم دراسة العواقب البعيدة المترتبة عليه، فجعل سبحانه الطَّلاق ثلاثًا؛ ليُجرّب المرءُ نفسه في المرة الأولى، فإنّ استقرّت نفسه، وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، وأعطاه فرصةً أخرى. قال تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩]. حتى إذا طلّق الثالثة حرّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره ويصيبها، معاقبةً له بما فيه غيظه بمقتضى جبلة الفحولية.
قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٠].
واهتمّ الإسلام عموماً بالطَّلاق، وأولاه عنايةً بالغةً، فبيّن أحكامه وشروطه وأركانه، وأنواعه وأسبابه وألفاظه، وما يترتب عليه من آثار؛ كالعدة والنفقة والرضاع والحضانة، ونحوها من الأحكام المتعلقة به.
ومما يبين مكانة الطَّلاق في القرآن الكريم، أنّ الله أوضح للمطلِّقين أنهم إذا أرادوا الاستمرار بترك جماع زوجاتهم والمضي في الطَّلاق، فإنّ الله يسمع أقوالهم، ويعلم أحوالهم، وسيجازيهم عليها، قال تعالى: ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٧].
كما بيّن سبحانه أنّ أحكام الطَّلاق والرجعة والعِدَّة هي حُكْم الله أنزله إلى المؤمنين؛ ليعملوا به، ومن يتّق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، يمح عنه سيئاته التي ارتكبها، ويعطه أجرًا عظيمًا في الآخرة، وهو دخول الجنة، والحصول على النعيم الذي لا ينفد. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا﴾ [الطَّلَاق:٥] .
وجاء في القرآن الكريم أنّ الطَّلاق آيةٌ من آياتِ الله الشَّرعية، قال تعالى بعد الحديث عن الطَّلاق: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا﴾ [البَقَرَةِ:٢٣١]. فلا يجوز الاستهزاء به عن طريق المضارَّة في الإمساك، أو الفراق أو غير ذلك.
وجاء لفظ الطَّلاق في القرآن الكريم بصيغ متعددة:
ـ فجاء بلفظ: ﴿طَلَّقۡتُمُ﴾ في أربعة مواضع، في سورة البقرة: آية: ٢٣١و ٢٣٢و ٢٣٦، وفي سورة الطَّلاق آية:١.
ـ وجاء بلفظ: ﴿طَلَّقۡتُمُوهُنَّ﴾ في موضعين: في سورة البقرة: آية: ٢٣٧، وفي سورة الأحزاب: آية: ٤٩.
ـ وجاء بلفظ: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ في موضع واحد: في سورة التحريم: آية:٥.
ـ وجاء بلفظ: ﴿طَلَّقَهَا﴾ في موضعين: في سورة البقرة: آية:٢٣٠.
ـ وجاء بلفظ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ في موضع واحد: في سورة الطَّلاق آية:١.
ـ وجاء بلفظ: ﴿ٱلطَّلَٰق﴾ في موضعين: في سورة البقرة: آية:٢٢٧ و٢٢٩.
ـ وجاء بلفظ: ﴿ٱلۡمُطَلَّقَٰت﴾ في موضعين: في سورة البقرة: آية:٢٢٨ و٢٤١.
وجاء التعبير عن الطَّلاق في القرآن الكريم، بلفظ التسريح في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩] .
ـ وجاء التعبير عن الطَّلاق بالفراق في سورة الطَّلاق في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾ [الطَّلَاق:٢]
ولأهمية موضوع الطَّلاق عموماً، وعناية القرآن به، جاء في القرآن سورةٌ خاصة باسم "سورة الطَّلاق"، معظم آياتها تدور حول تحديد أحكام الطَّلاق، وما يترتب عليه من أحكام العدة، والإرضاع، والإنفاق، والسكن، والإشهاد على الطَّلاق، وعلى المراجعة.
المطلب الثاني: التعريف بالحقوق وبالمطلَّقات
لمّا كان البحث في جمع: "حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم " أرى من الضروري أن أُعَرِّفَ بمصطلح الحقوق وبمصطلح المطلَّقات حتى يُفهم المراد منها.
فالحقوق لغةً: جمع حقّ، والحقُّ خلاف الباطل، والحق الثابت بلا شك، والحقُّ: النصيب الواجب للفرد والجماعة. ٤.
قال ابن فارس:" الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته. فالحق نقيض الباطل، ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج وحسن التلفيق ويقال حق الشيء وجب"٥.
واصطلاحا: الثابت الذى لا يسوغ إنكاره ٦. وعرفه بعض المعاصرين بأنه: " اختصاص يقرّ به الشرع سلطة أو تكليفاً " ٧.
ويمكن أن يقال: إن الحق اختصاص يقرّ به الشرع سلطة على شيء، أو اقتضاء أداءٍ من آخر تحقيقًا لمصلحة معينة٨.
وأما تعريف المطلَّقات، فإني أعرف قبل ذلك بالطَّلاق لغةً واصطلاحاً.
فالطَّلاق لغة: اسم مصدر طلَّق، وهو حَلُّ الوَثاق، مُشتَقٌّ مِن الإطلاقِ: وهو الإرسالُ والتَّركُ، والتحرّر من الشيء والتحلّل منه، والفعل منه: طَلَقَ، فيُقال: طُلّقت المرأة من زوجها؛ أي تحلّلت منه، وخرجت عن عصمته.
قال ابن فارس:" الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ أَصْلٌ صَحِيحٌ مُطَّرِدٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّخْلِيَةِ وَالْإِرْسَالِ. يُقَالُ: انْطَلَقَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ انْطِلَاقًا. ثُمَّ تَرْجِعُ الْفُرُوعُ إِلَيْهِ،... وَامْرَأَةٌ طَالِقٌ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا"٩.
وفي لسان العرب: " وطَلاقُ النِّسَاءِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحدهما حَلُّ عُقْدة النِّكَاحِ، وَالْآخَرُ بِمَعْنَى التَّخْلِيَةِ والإِرْسال"١٠.
والطَّلاق شرعاً: نقيض الزواج، وهو: رفع قَيدِ النِّكاحِ أو بعضه بلَفظٍ مخصوص ١١. والأصل في الطَّلاق أن يكون بيد الزوج وحده.
والمراد بالمطلَّقات: هن نقيض المتزوجات، والمطلَّقات: جمع مُطَلَّقة: وهي التي انحلَّ عَقدُ نكاحها كلّه أو بعضه، بلفظ الطَّلاق ونحوه.
المطلب الثالث: المطلَّقات في القرآن الكريم
.
اعتنى القرآن الكريم بالمطلَّقات عنايةً كبيرة، فذكر كثيراً من أحكامهنّ وحقوقهنّ، ومن ذلك:
ـ أنّه جاء في القرآن الكريم وصفهنّ بهذا الوصف: (المطلَّقات) في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨]. وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٤١].
ـ أنه حدد عدد الطلقات التي يمتلكها الزوج بثلاث طلقات؛ طلقتين رجعيتين، والطلقة الثالثة تسمى بالطلقة البائنة بينونة كبرى، وبها تنتهي العلاقة الزوجية. قال تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
ـ جاء في القرآن الكريم بيان أنّ المطلقة عليها عدة تعتدها عند طلاقها، قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَ﴾ [الطَّلَاق:١]. وهذه العدة للمطلقة تختلف بحسب حال المطلقة:
أ) عدة المطلّقة إذا كانت حاملاً، وضع حملها، سواء طالت المدة أم قصرت، قال تعالى: ﴿وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ﴾ [الطَّلَاق:٤].
ب) وعدة المطلَّقة إذا كانت غير حامل، وهي من ذوات الحيض ثلاثة قروء، واختلف الفقهاء في المقصود بالقروء على قوليْن؛ الأول: ثلاثة أطهار، والثاني: ثلاث حيضات، قال تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨] ١٢.
ج) وعدة المطلَّقة إذا كانت غير حامل، وليست من ذوات الحيض، لصغرها أو لكبرها ثلاثة أشهر، قال تعالى: ﴿وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَ﴾ [الطَّلَاق:٤].
د) وإذا طُلقّت المرأة قبل الدخول فلا عدّة عليها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ﴾ [الأَحۡزَاب:٤٩].
ـ وجاء في القرآن الكريم النهي عن إيقاع الضرر بالمطلقة، وأمر بالمعاملة بالمعروف، سواء طلّقها أو أرجعها، وأن يتقي الله فيها، قال تعالى: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣١].
ـ وجاء في القرآن الكريم نهي أولياء الأمور عن منع رجوع وليّته المطلَّقة إن تراضت مع زوجها، ورغبت بالرجوع إليه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٢].
ـ وجاء في القرآن الكريم النهي عن أخذ شيء من مهرهنّ بغير رضاهنّ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
ـ وأوجب الله للمطلَّقات المتعة. قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٦].
ـ وشرع الله لهن النفقة والسكنى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطَّلَاق:١]. ومن خلال الآيات السابقة وغيرها تظهر عناية القرآن الكريم بالمطلَّقات، ببيان أحكامهن، وما يترتب لهنَّ من حقوق وواجبات. وسيتضح في المباحث التالية عناية القرآن الكريم بالمطلَّقات، من خلال الحقوق التي ذكرها الله عز وجل في كتابه لهنَّ.
المطلب الرابع: أنواع الطَّلاق.
قسَّم العلماء الطَّلاق إلى أنواع متعددة؛ وذلك بحسب اعتبارات متنوعة.
فينقسم الطَّلاق باعتبار حكمه العام، إلى ثلاثة أوجه:
أ) أحسن الطلاق، وهو أن يطلّق الرجلُ امرأته تطليقةً واحدةً في طُهرٍ لم يمسّها فيه، ويتركها حتي تنقضي عدتها.
ب) طلاق جائز، ويسمى الطَّلاق السني. وهو أن يُطَلّق المدخول بها ثلاثاً في ثلاثة أطهار.
ج) طلاق محظور، ويسمى: الطَّلاق البدعي. سواء كان محظوراً أو بدعياً من حيث الوقت أو العدد. بأن يطلّقها ثلاثاً بكلمة واحدة، أو ثلاثاً في طُهرٍ واحد ١٣.
وينقسم الطَّلاق باعتبار الأحكام الشرعية، إلى أنواع:
أ) واجب ب) محرم ج) مستحب د) مكروه ه) مباح.
وينقسم الطَّلاق باعتبار ألفاظه، إلى نوعين: أ) طلاق صريح. ب) طلاق بالكناية.
وينقسم الطَّلاق باعتبار الأثر المترتب عليه، إلى نوعين: أ) طلاق رجعي. ب) طلاق بائن، سواء كان بينونة صغرى أو بينونة كبرى.
وينقسم الطَّلاق باعتبار وقوعه، إلى نوعين: أ) طلاق منجز أو ناجز ب) طلاق معلق على شرط.
وينقسم الطَّلاق باعتبار العوض من عدمه، إلى قسمين: أ) طلاق بدون عوض ب) طلاق بعوض.
وينقسم الطَّلاق باعتبار الصحة والمرض، إلى قسمين: أ) طلاق الصحيح ب) طلاق المريض.
وفي كتب المفسرين والمحدثين والفقهاء تعريفات وتفصيلات لكل هذه الأنواع، مع ذكر اختلاف العلماء فيها وأدلتهم عليها ومناقشتها. والذي يعنينا في هذا البحث من هذه الأنواع، هو أنواع الطَّلاق باعتبار الأثر المترتب عليه.
فينقسم الطَّلاق باعتبار الأثر المترتب عليه إلى نوعين هما: أ) طلاق رجعي. ب) طلاق بائن.
النوع الأول: الطَّلاق الرجعي:
وهو أن يطلق الزوج امرأته المدخول بها الطلقة الأولى، أو الثانية، على غير عوض؛ وله مراجعتها بعدهما إن رغب ما دامت في العدة، وهي في الحالتين زوجته قبل أن تنتهي عدتها.
النوع الثاني: الطَّلاق البائن:
هو الذي تنفصل به الزوجة عن زوجها نهائياً، وهو قسمان:
القسم الأول: بائن بينونة صغرى:
وهو أن يطلق الرجل زوجته الطلقة الأولى، أو الثانية، ثم تنتهي عدتها. أو يطلق زوجته بعوض، ويسمى "الخلع". أو يطلقها قبل الدخول بها.
وفي هذه الأحوال يجوز له أن يراجعها، ولكن بعقد ومهر جديدين.
القسم الثاني: بائن بينونة كبرى:
وهو أن يطلق الرجل زوجته الطلقة الثالثة؛ فلا تحلّ له حينئذ إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، نكاحًا صحيحًا، ويطأها فيه، فإن طلقها الثاني، وفرغت من العدة، جاز لزوجها الأول نكاحها بعقدٍ ومهرٍ جديدين كغيره.
حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم.
عقد الزواج ميثاق غليظ، والأصل في الزّواج أنّه عقدٌ دائمٌ غير مؤقتٍ، ومن حقّ الزوجة ألا يوقع الزوجُ الطَّلاق عليها إلا لحاجة، فيكره شرعاً أن يوقع الزوج الطَّلاق لعدم الحاجة.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٧]. وفي الآية إيماء وتنبيه على أن الطَّلاق مكروه عند الله. قال العثيمين:" ومن فوائد الآية: أن الله لا يحب الطَّلاق؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾١٤. وروي من حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال:" أَبغَضُ الحَلالِ إلى اللهِ الطَّلاق"١٥.
والطَّلاق يترتب عليه أمورٌ كثيرةٌ تدعو إلى كراهة الإقدام عليه منها: تشتت الأسرة، وضياع المرأة غالباً، وكسر قلبها.
وجاء في القرآن الكريم ذكر عدد من حقوق المطلَّقات، والتي أرشد الله عباده بمراعاتها، والعمل بما أرشد إليه فيها، فإنه سبحانه أعلم بما فيه مصلحتهم، ونقاؤهم، وطهرهم، يعلم ما يُصلحهم، وما لا يُصلحهم، ومن يمتثل منهم، ومن لا يمتثل؛ فختم الله بعض الآيات التي تحدثت عن الطَّلاق بقوله: ﴿ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٢].
كما أنه سبحانه يسمع ويعلم من يمتثل لهذه الحقوق، ويعمل بما جاء فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٧].
وحذَّر سبحانه من تعدي تلك الحقوق وتجاهلها في آيات كثيرة قال تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [الطَّلَاق:١]. وبعد أن ذكر عدداً من الحقوق، قال سبحانه: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
وإليك بعضاً من حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم، اجتهدتُ في جمعها ودراستها دراسة قرآنية ١٦.
المبحث الأول: الحقوق المشتركة بين المطلقات في القرآن الكريم
جاء في القرآن الكريم ذكر عددٍ من حقوق المطلَّقات، والتي يشترك فيها المطلَّقات طلاقاً رجعياً، والمطلَّقات طلاقاً بائناً، ومن تلك الحقوق:
الحق الأول: الإمساك بهنّ بعد الطلاق الرجعي بمعروف أو التسريح لهنّ بإحسان.
أباحت الشريعة الإسلامية الطَّلاق في ظروف استثنائية ملحّة؛ ليكون الطَّلاق دواءً للتخلص من عناء وشقاء محتّم.
وكان الطَّلاق عند أهل الجاهلية، وبعض العرب في صدر الإسلام، يتخذ وسيلة للإضرار بالزوجة؛ وذلك بأن يطلّقها الزوج، فإذا شارفت على انقضاء عدتها، أرجعها ثم طلّقها، وهكذا فتبقى لا هي معه، ولا مع زوجٍ غيره. فجعل الله الطَّلاق الذي يملك فيه الرجل إرجاع زوجته مرتين متفرقتين في طهرين؛ فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق وأمضى الطَّلاق. وهذا من رحمة الله عز وجل بالنّساء، وحفاظاً على حقوقهنّ.
وجاء في القرآن الكريم أنَّ على الأزواج الإمساك على زوجاتهم بمعروف، بعد طلاقهم لهنَّ، أو تسريحٌ لهنّ بإحسان. قال تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩]. فالآية تدل على أنّ الله أوجب على الزوج حسن العشرة بعد مراجعته زوجته، أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها، وعدم ظلمها وأخذ حقٍّ من حقوقها، وألا يذكرها مطلُّقها بسوء.
وعن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: " إذا طلّق الرجلُ امرأته تطليقتين، فليتق الله في التطليقة الثالثة، فإمّا يمسكها بمعروف فيُحسن صَحَابتها، أو يسرّحها بإحسانٍ، فلا يظلمها من حقّها شيئا" ١٧.
وأجمع العلماء على أنّ قوله تعالى: ﴿أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين ١٨.
قال السعدي:" ومن الإحسان ألا يأخذ على فراقه لها شيئاً من مالها؛ لأنّه ظلم، وأخذٌ للمال في غير مقابلةٍ بشيء" ١٩.
وختم الله سبحانه الآية الآمرة بالإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان بأن ذلك من حدود الله، ومن تجاوز تلك الحدود التي شرعها الله، ومنها عدم الإمساك بمعروف، أو عدم التسريح بإحسان؛ فإنهم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله. قال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾.
وجاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه عروة بن الزبير، قال: " كان الرجل أحقُّ برجعة امرأته، وإن طلّقها ما شاء، مادامت في العدّة، وإنّ رجلًا من الأنصار غَضب على امرأته، فقال: لا أؤويك ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك، فإذا دَنَا أجلُك راجعتُك، ثمّ أُطلّقك، فإذَا دَنَا أَجَلُك راجعتُك. فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ، فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ﴾ قال: فاستقبلَ النَّاس الطَّلاق، من كان طلَّق، ومن لم يكن طلَّق"٢٠.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾ [الطَّلَاق:٢]. والمعنى كما قال السعدي: "إذا قاربن انقضاء العدة، لأنهنّ لو خرجن من العدة، لم يكن الزوج مخيراً بين الإمساك والفراق. ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ﴾ أي: على وجه المعاشرة الحسنة، والصحبة الجميلة، لا على وجه الضرار، وإرادة الشر والحبس، فإن إمساكها على هذا الوجه، لا يجوز، ﴿أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾ أي: فراقاً لا محذور فيه، من غير تشاتم ولا تخاصم، ولا قهر لها على أخذ شيء من مالها"٢١.
ومن الملاحظ أنّ الله قدّم في الآيتين السابقتين الإمساك على الفراق؛ للإشارة إلى أنَّ الإمساك أحبّ إلى الله، وأنه هو الأولى؛ رعاية لحق الزوجية، وإبقاء للمودة والرحمة.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا﴾ [الأَحۡزَاب:٤٩].
والسراح الجميل: الذي لا ضرار فيه، وهو الخَليُّ عن الأذى والإضرار ومنع الحقوق. وقيل: ألا يطالبها بما كان قد أعطاها. ومن السراح الجميل: بذل الخُلُق، ويكون بالقول والفعل وطلاقة الوجه وانبساط القلب، وما أشبه ذلك ٢٢.
فتكون المفارقة عن رضاً، وبالقول اللّين الذي يجبر الخاطر؛ لأنَّ المطلّقة ينكسر خاطرها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما:" إن كان سمَّى لها صَدَاقاً، فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صَدَاقاً فأمتعها على قدر عُسره ويُسره، وهو السراح الجميل"٢٣، والمطلَّقات البائنات يُتأكد في حقهنّ أن تكون المفارقة لهنّ بالمعروف؛ لانقطاع العلاقة بينهما، فيجب مفارقتهن من غير مقابحة، ولا مشاتمة، ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.
الحقّ الثاني: استلام كامل صداقهنّ.
الصَّدَاقُ: هو ما يكون عِوضًا في النكاح، وهذا أعم من أن يكون نقداً أو غير نقد، حالّاً أو مؤجّلاً، مالاً معيناً أو منفعة، وغير ذلك مما يصلح أن يكون عوضاً في عقد البيع أو الإجارة.
وقد أصدق المرأة حين تزوجها: أي جعل لها صَدَاقاً.
وله أسماء كثيرة، منها: الصَدَاق، والمَهَر، والنِحْلَة، والفَريضة، والحباء، والأَجر، والعُقر، والعَلائق ٢٤.
والصَّدَاقُ حقٌ واجبٌ يُعطى للمرأةِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ﴾ [النِّسَاء:٤]. وقال سبحانه: ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [النِّسَاء:٢٥].
وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: إنّي وهبتُ من نفسي. فقامت طويلاً فقال رجلٌ: زوّجنِيها، إن لم تكن لك بها حاجة. قال: " هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَىْءٍ تُصْدِقُهَا ". قال: ما عندي إلاَّ إزاري. فقال: " إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ جَلَسْتَ لاَ إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا ". فقال: ما أجدُ شيئًا. فقال: " التَمِس وَلَو خَاتَمًا مِن حَدِيدِ ". فلم يجد. فقال: " أَمَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَىْءٌ ". قال: نعم، سورةُ كذا وسورة كذا لسورٍ سمّاها. فقال: " زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ "٢٥.
قال السعدي:" ولما كان كثيرٌ من الناس يظلمون النساء ويهضمونهن حقوقهن، خصوصاً الصَّدَاق الذي يكون شيئاً كثيرًا، ودفعة واحدة، يشقُّ دفعه للزوجة، أمرهم وحثهم على إيتاء النساء ﴿صَدُقَٰتِهِنَّ﴾ أي: مهورهن ﴿نِحۡلَةٗۚ﴾ أي: عن طيب نفس، وحال طمأنينة، فلا تمطلوهن أو تبخسوا منه شيئاً. وفيه: أنَّ المهر يدفع إلى المرأة إذا كانت مكلّفة، وأنها تملكه بالعقد؛ لأنّه أَضَافَه إليها، والإضافة تقتضي التمليك"٢٦.
وجاء في القرآن الكريم أنّ للمطلَّقات حقّهنّ من الصّدَاق. وأنّه لا يسقط بالطَّلاق والفِراق، قال تعالى: ﴿فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [النِّسَاء:٢٠]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
ـ فالمطلَّقات بعد الدخول بهن، وبعد تسمية الصداق في العقد، يجب لهنّ كامل الصَّدَاق، ويحرم على الزوج أن يأخذ مما أعطاها من صَدَاق، أو غيره؛ إلا برضاها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠ وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ [النِّسَاء:٢٠-٢١] . ولقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩]. وقال ﷺ :"فَإِن دَخَلَ بِهَا فَلَهَا المهرُ بمَا استَحَلَّ مِن فَرجِهَا"٢٧.
ـ والمطلَّقات قبل الدخول والخلوة بهن٢٨، وبعد تسمية الصداق، لهنّ نصف الصداق المسمّى في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٧].
قال القرطبي:" أي فالواجب نصف ما فرضتم من المهر، فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع"٢٩.
ـ والمطلَّقات بعد الدخول بهنّ، وقبل تسمية الصَّدَاق؛ يجب لهنّ صَدَاق المِثْل، ويفرضه لهنّ الحاكم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ [النِّسَاء:٢٤].
قال ابن قدامة:" فهذه لها مهر المِثْل؛ لأنها لم تزوج نفسها إلا بصداق لكنه مجهول، فسقط لجهالته، ووجب لها مهر المِثْل"٣٠.
فيجب تسليم المطلَّقات حقهنّ كاملا من الصَّدَاق. وعدم أخذ شيء منه. فيحرم أخذ شيء من صداقهن ولو كان قليلًا، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔا﴾ [النِّسَاء:٢٠]، فكلمة: ﴿شَيۡـًٔا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم القليل والكثير. إلا إن رضيت المطلَّقات بأن يأخذ من صداقهن شيئًا فالحقّ لهنّ، إذا كنّ مكلّفات رشيدات؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٧].
وقوله تعالى: ﴿أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [النِّسَاء:٢٠] فيه إنكار شديد على من أخذ شيئًا من صداق المطلَّقات بغير رضاهن. ومن أخذ منه شيئا بغير رضى منهن، فقد أخذه بهتاناً وإثماً مبيناً.
وعن ميمون الكردي عن أبيه عن النبي ﷺ قال:" أيُّما رجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً على ما قَلَّ مِنَ المَهْرِ أوْ كَثُرَ، ليس في نفسِهِ أنْ يُؤَدِّيَ إليها حقَّها؛ خَدَعَها، فماتَ ولمْ يُؤَدِّ إليها حقَّها؛ لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ وهوَ زَانٍ" ٣١.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ﴾ أي: أن يَعفوَ بعضُكم لبعضٍ أيُّها الأزواج والزوجاتُ بعد فِراقِ بعضِكم بعضاً، عما وجبَ لبعضكم قِبَلَ بعضٍ، فيتركه له إن كان قد بقي له قِبَله، وإن لم يكن بقي له فبأن يُوفيَه بتمامِه، أقرب لكم إلى تقوى الله ٣٢.
الحق الثالث: الامتناع عن أخذ شيء من مال المطلَّقات على طلاقهن على وجه المضارّة لهنّ.
جاء في القرآن الكريم نهي الله سبحانه وتعالى الأزواج عن أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارّة. قال تعالى: ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ [النِّسَاء:٢٠]. والمعنى: أنكم أيها الأزواج متى ما أردتم تطليق زوجة وتزوج أخرى، فلا جناح عليكم في ذلك ولا حرج. إلا أنه يحرم أن تأخذوا مما أعطيتموهنّ من المهر شيئاً، ولو كان المهر كثيراً، بل وفّروه لهنّ ولا تماطلوا بهنّ، ﴿أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ فإن هذا لا يحل ولو تحايلتم عليه بأنواع الحيل، فإنّ إثمه واضح.
وجاء في القرآن الكريم التأكيد على نهي الأزواج أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً على وجه المضارّة بقوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
وفي قوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن يَخَافَآ﴾ قراءتان: فقرأ حمزة، وأبو جعفر، ويعقوب: (يُخافا) بضم الياء. وتوجيهها: أنها على مالم يُسم فاعله، والفاعل محذوف، وتقديره أن يخاف الولاة والحكّام، والأهل. والقراءة الثانية: قراءة بقية العشرة: ﴿يَخَافَآ﴾ بفتح الياء. وتوجيهها أنها على تسمية الفاعل، على تقدير: أن يخاف الزوجان ٣٣.
والقراءتان بمجموعهما تدلان على: أنه لا يحل للأزواج أن يأخذوا شيئاً مما أعطوه من المهر ونحوه لزوجاتهم، إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية، فحينها يُعرض أمرهما على الأولياء، فإنّ خاف الأولياء على عدم إقامة الزوجين حدود الله، فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها.
ولا يجوز للزوج أن يأخذ على فراقه زوجته شيئاً من مالها؛ لأنّه ظلم. وأخذ للمال في غير مقابلة بشيء، إلا في حال المخالعة المعروفة، حين تَكْرَهُ الزوجة زوجها، لخلقه أو خلقه أو نقص دينه، وخافت ألا تطيع الله فيه. فلا جناح عليه في أخذه ما تفتدي به منها؛ لأنه عِوَضٌ لتحصيل مقصودها من الفرقة.
قال تعالى: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩]. فالأصل أن الأخذ من مال الزوجة محرم؛ لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله عزوجل صار الأخذ جائزا.
وللمطلَّقات عموماً كامل حقوقهن المالية الواجبة في ذمة أزواجهنّ، كأجرة رضاع، وكالقروض، والديون من عقار ونحوه، فلا يجوز المساومة عليهنّ، أو إنكارهنّ، أو المماطلة في إعطائهنّ حقوقهنّ المالية، وهذا يدل عليه قوله سبحانه: ﴿وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا﴾ فالخصوص في الآيتين بالذكر لما آتى الأزواج نساءهم؛ وهو الصَدَاق، ليس حصراً عليه فقط، بل شامل لأي مال وحقّ خاص بالمطلَّقات، وإنما خص بالذكر لما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العُرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صداقاً وجهازاً، فلذلك خص بالذكر.
وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهنّ في مقابلة البِضْع عند خروجه عن ملكهم، فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى.
الحق الرابع: عشرة أزواجهن لهنّ بالمعروف، وألا ينسى الفضل بينهما.
أوجب الله العشرة بين الزوجين بالمعروف، قال تعالى مخاطباً عباده المؤمنين: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [النِّسَاء:١٩]، وهذا أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب؛ لذلك قال العلماء: المعاشرة بالمعروف حقٌ واجبٌ، يأثم تاركه، ويثابُ فاعله.
وحيث قد يحصل بسبب الطَّلاق بين الزوجين، خلافٌ وسوء تفاهم، ومماطلة بالحقوق، فقد أمر الله بالحفاظ على العشرة التي كانت بينهما، وأن يكون التسريح بإحسان. قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣١].
قال ابن عاشور:" قيّد التسريح هنا بالمعروف، وقيّد في قوله السالف: ﴿أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ للإشارة إلى أن الإحسان المذكور هنالك، هو عين المعروف الذي يعرض للتسريح، فلما تقدم ذكره لم يُحتج هنا إلى الفرق بين قيده وقيد الإمساك. أو لأن إعادة أحوال الإمساك والتسريح هنا ليبني عليه النهي عن المضارة، والذي تخاف مضارته بمنزلة بعيدة عن أن يطلب منه الإحسان، فطلب منه الحق، وهو المعروف الذي عدم المضارة من فروعه، سواء في الإمساك أو في التسريح، ومضارة كل بما يناسبه"٣٤.
ومن الإحسان ألّا يؤذي الإنسان زوجته بالقول، أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك، من إفشاء السر بينهما، والمشاحنة لها، وادّعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إيّاها في المهر، أو فيما بعد ذلك حتى يطالبها بالحُلّي الذي أعطاها؛ خلاف المعروف الذي أمر الله به.
وجاء في القرآن الكريم أنّ للزوجات سواء كنّ مطلَّقاتٍ، أو ممسكات مثل الذي عليهن بالمعروف.
قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨] أي: لهنّ من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهنّ، فكما أنَّ على الزوجة أنَّ تتقي الله تعالى في حقوق زوجها، وأن تقوم بما فرض الله عليها؛ فلها أيضاً مثل الذي له في أنه يجب على الزوج أن يعاشرها بالمعروف، وأن يقوم بحقّها الذي أوجب الله عليه. فلهن على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهنّ من الحقوق اللازمة والمستحبة. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف.
والمراد بالمماثلة في الآية كما يقول الآلوسي:" المماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال"٣٥.
وفي الآية دليل على وجوب العناية بأداء حقوق الزوجات، وعدم التهاون فيها، ولهذا قدّم حقهن فقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ .
وجاء في القرآن الكريم أثناء الحديث عن أحكام الطَّلاق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٧]. فأمر الله سبحانه بألّا يُنسى الفضل بين الأزواج وغيرهم.
والفضل: هو أعلى درجات المعاملة، لأنّ معاملة الناس فيما بينهم على درجتين:
ـ إمّا عدلٌ وإنصافٌ واجبٌ، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب.
ـ وإمّا فضلٌ وإحسانٌ، وهو: إعطاء ما ليس بواجب، والتسامح في الحقوق، والغضّ مما في النفس.
قال السعدي:" فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصاً لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم" ٣٦.
فالجملة الكريمة توجيه حكيم للناس إلى ما يدفع عنهم التشاحن والتباغض والتخاصم، خصوصاً في حالات الطَّلاق التي هي من أشدِّ الأحوال دفعاً إلى هذه الصفات الذميمة.
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، أنَّ رسول الله ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: " فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" ٣٧.
وفي حديث بهز بن حكيم عن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جدّه أنه قال يا رسولَ اللَّهِ، ما حقُّ زَوجةِ أحدِنا علَيهِ ؟، قالَ:" أن تُطْعِمَها إذا طَعِمتَ، وتَكْسوها إذا اكتسَيتَ، أوِ اكتسَبتَ، ولا تضربِ الوَجهَ، ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُرْ إلَّا في البَيتِ"٣٨.
وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال:" إنّي لأُحِبُّ أَنْ أتَزَيّنَ للمرأة، كما أُحِبُّ أن تَتَزيّنُ لي؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ ٣٩.
ويرى الطبري أن المعنى: أن لهنّ على أزواجهنّ ترك مضارّتهن كما كان ذلك عليهنّ لأزواجهنّ. والآية تعمّ جميع ذلك من حقوق الزوجية ٤٠.
الحق الخامس: الرأي والمشورة لهنَّ في فِطَام أولادهنَّ قبل الحولين.
جاء في القرآن الكريم أنّ للمطلَّقات حقّ الرأي والمشورة في فطام أولادهنّ قبل انقضاء الحولين.
قال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣].
فالفِصَالُ: الفطام. يقال: فَصَلتُ الصبيَّ؛ إذا فطمته. ومنه قيل للحُوَار إذا قطع عن الرضاع: فصيل؛ لأنه فُصِل عن أمه. وأصل الفصل: التفريق٤١.
فلا يحق للزوج أو للزوجة اتخاذ قرار فردي بشأن فطام ولديهما، بل لابدَّ من التشاور والتراضي على قرارٍ محددٍ. فإنَّ اتفق والدا الطفل على فِطَامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك.
ويؤخذ منه: أنَّ انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحدٍ منهما أن يستبدّ بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله مجاهد والثوري وغيرهما ٤٢.
وهذا فيه احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحه ويصلحهما، وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ﴾ [الطَّلَاق:٦].
والمعنى: أي ليأمر كل واحد من الزوجين ومن غيرهما، الآخر بالمعروف، وهو كل ما فيه منفعة ومصلحة في الدنيا والآخرة، فإن الغفلة عن الائتمار بالمعروف، يحصل فيه من الشر والضرر، ما لا يعلمه إلا الله.
وفي الائتمار: تعاونٌ على البر والتقوى.
قال السعدي:" ومما يناسب هذا المقام، أنَّ الزوجين عند الفراق وقت العدة ـــ خصوصًا إذا ولد لهما ولدٌ في الغالب ـــ يحصل من التنازع والتشاجر لأجل النفقة عليها وعلى الولد مع الفراق، الذي في الغالب ما يصدر إلا عن بُغضٍ، ويتأثر منه البغض شيء كثير، فكلٌ منهما يؤمر بالمعروف، والمعاشرة الحسنة، وعدم المشاقة والمخاصمة وينصح على ذلك" ٤٣.
الحق السادس: إعطاء النفقة لهن، والكسوة والسُّكنى بالمعروف مدّة الرضاعة حولين كاملين.
قيل في تعريف النفقة: "هي كفاية من يمونه كل إنسان من غذاء أو كساء أو سكنى"٤٤. وهذا التعريف
غير جامع لأنه اكتفى بالمهمّات، وأهمل بعض مشمولات النفقة مع أهمية الإشارة إليها.
ولذا الأولى أن يقال في تعريف النفقة:" كفاية من يمونه كلُّ إنسانٍ من طعام وكسوة وسكنى وتوابعها بالمعروف"؛ ليدخل فيه ما يتعارف الناس على أنه من الاحتياجات الأساسية كالحاجيات المتممة لما سبق كالعلاج والرعاية الصحية ٤٥.
"وأجمعوا على أنّ للمطلقة التي يملك زوجها الرجعة السكنى والنفقة" ٤٦. قال المرداوي:" وعليه نفقة المطلقة الرجعية وكسوتها، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗا﴾ [البَقَرَةِ : ٢٢٨] حيث سمّى الله عز وجل الزوج بعلاً بعد الطلاق الرجعي"٤٧.
وجاء في القرآن الكريم وجوب الإنفاق للمرضع على المولود له ـ من زوج أو غيره ـ ؛ ولا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع.
وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد، وهو الإرضاع. قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣].
فأوجب الله تعالى للأم التي ترضع ولدها أوجب لها النفقة على المولود له، وهو الأب، وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة، فإنّ على الأب نفقتها ٤٨.
وجاء في القرآن الكريم عن المطلَّقات قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطَّلَاق:٦]. فيجب على المولود له وهو: الزوج، أو السيد، أو الواطئ بشبهة، نفقة الوالدات المرضعات، وكسوتهنَّ بما تعارف الناس بينهم عليه. سواء كانت المرضعة في عصمته أو بائناً منه، فإن كان الطَّلاق بائناً، فالنفقة لأجل الولد، وإن كان الطَّلاق رجعياً، فالنفقة لها ولولدها.
ويكون الإنفاق من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يَسَاره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى : ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا﴾ [الطَّلَاق:٧] . وفي حال التنازع في تقديرها، فللحاكم تقديرها.
قال الضحاك: "إذا طلق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف "٤٩.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطَّلَاق:٦]. تدلّ دلالة صريحةً على وجوب الإنفاق على المُطلَّقة البائن الحامل إلى أن تضع حملها. ويدل مفهوم الآية على أن غير الحامل لا نفقة ولا سكنى لها، وهو مذهب الحنابلة والظاهرية، وهو الصحيح ٥٠.
ويرى الأحناف: وجوب النفقة والسُّكنى للبائن حاملاً أو غير حامل، كالرجعية، واستدلّوا بالآية السابقة؛ لأنّهم يرون أنّ الآية عامة في جميع المطلَّقات.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطَّلَاق:١].
ووجه الدلالة: أنَّ االله نهى المطلَّقات عن الخروج من بيوتهنّ، ولا فرق في ذلك بين المُطلَّقة طَلاقاً رَجعيّاً، أو بَائناً ٥١.
ويرى المالكيّة والشافعيّة: أنّ المطلّقة طلاقاً بائناً ـ غير الحامل ـ لها الحقّ في السُّكنى دون النفقة٥٢.
واستدلّوا بأنّ الآيات المذكورة سابقاً تدلّ على وجوب السكن للمُطلّقة مُطلقاً، أمّا النفقة فلا تجب إلّا للحامل؛ لما ورد في حديث فاطمة بنت قيس ـ رضي الله عنها ـ بعدما طلّقها زوجها طلاقاً بائناً: قال لها ﷺ :"وَاللَّهِ ما لَكِ نَفَقَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا"٥٣. فالحديث ينفي صراحةً حقّ النفقة للمُطلّقة غير الحامل دون السكن.
وقالوا بأنّ العلاقة بين الزوجين انتهت بالطَّلاق البائن، فلا بدّ من سقوط النفقة بزوال العلاقة، والنفقة تجب للزوجة مقابل تمكين نفسها من زوجها، واستمتاعه بها، فإن زال التمكين والاستمتاع، سقطت النفقة.
والذي يظهر لي أن الصحيح هو ما ذهب إليه الحنابلة والظاهرية، وأنّه لا نفقة ولا سكنى للمطلَّقات طلاقاً بائناً إلا للحامل. فالبائن أجنبية من زوجها، ولا حق لها عليه.
وقالوا: إنّ الآيات السابقة تتعلّق بالطَّلاق الرجعيّ، وليس البائن، كما استدلّوا بأنه جاء في الحديث نصٌّ صريحٌ في أنّ البائن بالطَّلاق لا نفقةَ لها ولا سكنى، فعن فاطمة بنت قَيسٍ؛ أَنَّه طَلَّقَها زَوجُهَا في عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ. وَكَانَ أَنفَقَ عَلَيهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَت ذَلِكَ قَالَت: وَاللَّهِ! لَأُعلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَإِن كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذتُ الَّذِي يُصلِحُنِي. وَإِن لَم تَكُن لِي نَفَقَةٌ لَم آخُذ مِنهُ شَيئًا. قَالَت: فَذَكَرَتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال:" لا نَفَقةَ لك، ولا سُكنَى " ٥٤. وأن قوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ﴾ [الطَّلَاق:١] ، فهو في حق الرجعية بدليل سياق أول السورة.
والتعليل: على وجوبها للحامل فقط أنهن يحملن جنينا له، فيجب عليه أن ينفق عليهن له، ولا طريقة إلى الإنفاق على الجنين إلا بالإنفاق على أمه٥٥.
قال ابن القيم: " المطلقة البائن (غير الحامل) لا نفقة لها ولا سكنى بسنَّة رسول الله ﷺ الصحيحة، بل الموافقة لكتاب الله، وهي مقتضى القياس ومذهب فقهاء الحديث" ٥٦.
ومن اللطائف: أنّ الله سبحانه وتعالى نسب البيت للمرأة في قوله: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ﴾، وفي حال ممارسة الفاحشة لم ينسب البيوت لهنّ قال تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ﴾ [النِّسَاء:١٥].
الحق السابع: إرضاع الرجعيات والبائنات أولادهنّ، وتقديمهنّ في الرضاعة على غيرهن.
جاء في القرآن الكريم إيجاب ارضاع الوالدات لأولادهن في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣].
والمقصود بــ ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ﴾ الأمّهات سواء هنّ في عصمة أزواجهن أم مطلقات؛ لأن اللفظ عام، ولا يوجد ما يخصصه بنوع من الأمهات.
ويرى بعض المفسرين: أنّ المراد بالوالدات هنا خصوص المطلَّقات اللواتـي بِنّ من أزواجهنّ، ولهنّ أولادٌ قد ولدنهم من أزواجهنّ قبل بـينونتهن منهم بطلاق، أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهنّ من وطء كان منهم لهنّ قبل البـينونة؛ لأنّ سياق الآيات قبل ذلك في أحكام الطَّلاق، ولأنّ المطلَّقة عُرضة لإهمال العناية بالولد، وترك إرضاعه، فيجب الإرضاع على الأم؛ وهنّ أحقّ برضاعهم من غيرهنّ؛ وذلك لإنّ قوله: ﴿يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ﴾ جملة خبرية بمعنى الأمر؛ وإتيان الأمر بصيغة الخبر أبلغ من الأمر المحض؛ تنزيلاً له منزلة المتقرر الذي لا يحتاج إلى أمر. وتكون الرضاعة لمدة حولين كاملين بدون نقص لمن أن أراد أن يتم الرضاعة من الأزواج والوالدات، ويجوز النقص عن الحولين؛ لكن ذلك بعد التشاور والتراضي، وعبر عن الأمهات بالوالدات، للإشارة إلى أنهنّ الوعاء الذي خرجوا منه إلى الحياة، ومنهن يكون الغذاء الطبيعي المناسب لهذا المولود الذي جاء عن طريقهن.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ﴾ [الطَّلَاق:٦]. ففي الآية إرشاد إلى أنّه "إن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيراً، ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلاً ولم توافقه عليه، فليسترضع له غيرها، فلو رضيت الأم بما استؤجرت به الأجنبية فهي أحق بولدها" ٥٧، فالمطلقة أحق بحضانة طفلها، ولا يسقط حق الحضانة عنها إلا في حال زواجها، أو كونها غير أهل لتحمّل الحضانة، فتنتقل لمن يليها في الاستحقاق.
الحق الثامن: الامتناع عن إيقاع الضَرَر بالمطلَّقات، وقصد الضِّرَار بهنّ.
الضَرَرُ: الإخلال بمصلحة مشروعة للنفس أو الآخرين، تعدّيًا أو إهمالًا. وهو: يحصل بدون قصد، وإذا تبين لمن وقع منه الضرر رفعه. والضِرَار: يكون بقصد، ويرضى به إذا تحقق. وقيل: هما بمعنى واحد، وقيل غير ذلك٥٨. والشريعة الإسلامية تنفي الضَرَر والضِرَار، وذلك يكون بمنع وجوده أصلًا، أو برفعه وإزالته بعد وجوده.
ومن قواعد الشريعة العظيمة قاعدة " لا ضرر ولا ضرار". وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: " لا ضررَ، ولا ضرار"٥٩. فيحرم المضارّة بأحدٍ من المسلمين بأي حال من الأحوال؛ ومن ذلك: الإضرار بالمطلَّقات. وإيقاع الضرر بالمطلَّقات محرّم بأي شكل كان.
وجاء في القرآن الكريم النهي عن المضارّة موجّهاً للرجال لا للنساء؛ لأنّ العصمة هي للرجل، وهو أقوى من المرأة، فإضراره بها أكثر وقوعاً من إضرارها به، ولذا حَرَّج َالنبي ﷺ حقّ المرأة لضعفها٦٠.
والإضرار بالمطلَّقات له صور متعددة، وغالباً ما يقصد من الإضرار بالمطلَّقات من أجل ابتزازهن مالياً، أو الضَّغط عليهن عاطفياً، لمنعهن من الارتباط بعد الطَّلاق بشخص آخر، أو لتحويل الزواج إلى سجن دائم، أو غير ذلك.
وجاء في القرآن الكريم النهي عن الضِرَار بالمطلَّقات في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣١].
" قال ابن عباس، ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلّق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضراراً؛ لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلّقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلّق لتطول عليها العدة. فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه، فقال ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ أي بمخالفته أمر الله تعالى"٦١.
وبيّن سبحانه أنّ المضارة عدوان؛ لقوله تعالى: ﴿لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو للتعليل، أي سواء كان المقصود من المضارة الاعتداء؛ أو لم يقصد الاعتداء لكن حصل. وقد توعّد الله سبحانه من يفعل الإضرار بأنه ظالم لنفسه.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ [الطَّلَاق:٦]. أي: لا تضاروهنّ عند سكناهنّ بالقول أو الفعل؛ لأجل أن يمللن، فيخرجن من البيوت قبل تمام العدة، فتكونوا أنتم المخرجين لهنّ.
قال مقاتل بن حيان:" يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها، أو تخرج من مسكنه"٦٢.
واللام في ﴿لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ لتعليل الإِضرار، وهو قيدٌ جرى على غالب ما يعرض للمطلّقين من مقاصد أهل الجاهلية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾. وإلا فإنّ الإِضرار بالمطلَّقات منهيٌّ عنه وإن لم يكن لقصد التضييق عليهن٦٣.
وجاء في القرآن الكريم تحريم المضارّة بالمطلَّقات الوالدات المرضعات لأولادهن، قال تعالى: ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣].
والمراد بالوالدات في الآية: هن الأمهات سواء كنّ في عصمة أزواجهن أم مطلقات؛ لأن اللفظ عام في الكل ولا يوجد ما يقتضى تخصيصه بنوع من الأمهات. ويرى بعض المفسرين أنّ المراد بالوالدات هنا خصوص المطلَّقات؛ لأنّ سياق الآيات قبل ذلك في أحكام الطَّلاق، ولأنّ المطلقة عرضة لإهمال العناية بالولد وترك إرضاعه٦٤.
والمضارّة: مفاعلة من الضرر، وهي طلب ما يضر الغير. والضرر يحصل بدون قصد والمضارة بقصد٦٥.
وفي قوله تعالى: ﴿لَا تُضَآرَّ﴾: قراءتان، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (لَا تُضَارُّ وَالِدَةٌ) رفعًا. وعلى قراءة الرفع فإنّ (لا) نافية، و(تضارُّ) فعل مضارع مرفوع؛ وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
وقرأ الباقون: (لَا تُضَارَّ) نصبًا. وعلى قراءة النصب، تكون (لا) ناهية؛ و(تضارَّ) فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية؛ وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين٦٦.
ويحتمل أن يكون الفعل (تضارّ) مبنيا للفاعل وللمفعول. والمعنى على الاحتمالين واحد وهو أنه لا يجوز أن يضر كل واحد منهما صاحبه أو يضر من صاحبه بسبب حنوه على ولده واهتمامه بشأنه٦٧.
وفي الآية تحريم المضارة فلا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده؛ وقال النبي ﷺ :" لا ضرر ولا ضرار"٦٨. وقال ﷺ : " من ضارَّ، ضارّ الله به"٦٩.
ولا فرق بين أن تكون المضارة من الوالدة للمولود له، أو بالعكس؛ لأن الآية تحتمل هذا، وهذا.
ففي الآية التأكيد على عدم جعل الرضاعة سبباً لإضرار أحد الطرفين بالآخر، قال تعالى: ﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا﴾، وذلك "بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالباً، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ﴾ أي بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضراراً بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد وغيرهم" ٧٠.
وأضاف الولد إلى كل منهما في الموضعين للاستعطاف، وقدمت الأم في الجملة الكريمة، لأن الشأن فيها أن يكون حنوها أشد، وعاطفتها أرق، ولأن مظنة إنزال العنف والأذى بها أقرب لضعفها عن الأب ٧١.
الحق التاسع: الامتناع من تعدي حدود الله في المطلَّقات والتحذير من ظلمهنّ.
شرع الله سبحانه أحكاماً خاصة بالمطلَّقات، وبيّن آلية التعامل معهن في كتابه، وأكدّ سبحانه أن تلك الأحكام حدود من عنده. وسميت هذه الأحكام حدودا للإشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. وفي إضافة هذه الحدود إليه- سبحانه- إشعار بأن مخالفتها إنما هي مخالفة له- سبحانه- وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه.
فجاء في القرآن الكريم بعد آيات الطَّلاق قوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٠]. وفي الآية تعظيم شأن النكاح بأن الله ذكر له حدوداً في عقده، وفي حله؛ لأنه يترتب عليه مسائل كثيرة من المحرمية، والنسب، والميراث، وغير ذلك - كحقوق الزوجية، فيجب التزام تلك الحدود وعدم تعديها.
وجاء في القرآن الكريم التحذير من أن تُتَعدى حدوده. وأن من تعداها فقد وقع في الظلم، وفعله هذا قد ظلم نفسه أولا قبل أن يظلم غيره. قال تعالى: ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾ [الطَّلَاق:١].
وقوله: ﴿حُدُودُ ٱللَّهِۚ﴾ فيها إبراز لفظ الجلالة بالاسم المُظهر ليدل على الاهتمام والعناية بحدود الله، وتعظيم هذه الحدود، وإضافة ذلك إلى الله حُدُودُ اللَّهِ، مرتين؛ لتربية المهابة من تعديها.
وكثيرا ما يرد التحذير من تعدّي حدود الله تعالى في آيات الطَّلاق؛ وذلك لأنَّ الطَّلاق مكان متوقع لتجاوز حدود الله تعالى فيه، وذلك بسبب ما يحدثُ بين الزوجين من غضب أو شحناء أو غير ذلك، أو ربما بسبب تسلّط بعض الأزواج على الزوجات، فلا غرابة أن يتكرر التذكير بالنهي عن تعدي حدود الله فيها؛ وذلك أن من قرب من حدود الله يوشك أن يقع فيها، مصداقا لقوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه : " ... وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ"٧٢. فكل من استهان أو قرب من حرمات الله تعالى، قد ينتهكها ويتجاوزها من حيث شعر أو لم يشعر.
الحق العاشر: الامتناع من عضلهنَّ أن ينكحن أزواجهنَّ.
العَضْلُ: منع المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه ٧٣.
وأجمع العلماء على أنه يحرم على الولي عضل المرأة عن الزواج، فإذا عضل الولي المرأة بغير مسوغ شرعي؛ فلها أن ترفع أمرها إلى السلطان ليزوجها ٧٤.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٢].
فخاطب الله تعالى الأولياء ونهاهم عن منع النساء من أن ينكحن من تقدم لخطبتهن، وعبر عنهم بالأزواج باعتبار ما سيكون.
وقيل: الضمير في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ﴾، يعود للأزواج؛ وكانوا في الجاهلية إذا طلَّق الواحد منهم امرأته يستنكف أن يتزوجها أحد من بعده؛ فيمنعها من أن تتزوج بغيره إن استطاع؛ والأول أقرب؛ لكن لا مانع من حمل الآية على المعنيين٧٥. فيحرم منع الولي موليته أن تنكح من رضيته؛ لهذه الآية.
وسبب نزول الآية ما رواه الحسن :" ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ قال: حدَّثني مَعقِل بن يَسَارٍ: أَنَّهَا نَزَلَت فِيهِ، قَال: زَوَّجْتُ أُختًا لِي مِن رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انقَضَت عِدَّتُهَا جَاءَ يَخطُبُهَا، فَقُلتُ لَهُ: زَوَّجتُكَ وَفَرَشتُكَ وَأَكرَمتُكَ فَطَلَّقتَهَا، ثُمَّ جِئتَ تَخطُبُهَا، لَا وَاللهِ لَا تَعُودُ إِلَيكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأسَ بِهِ، وَكَانَتِ المرأَةُ تُرِيدُ أَن تَرجِعَ إِلَيهِ، فَأَنزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ فَقُلتُ: الآنَ أَفعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ. ٧٦.
قال ابن حجر:" وفي حديث معقل أنّ الولي إذا عضل لا يزوج السلطان إلا بعد أن يأمره بالرجوع عن العضل، فإن أجاب فذاك، وإن أصر زوج عليه الحاكم"٧٧.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وإذا رَضيتْ رجلاً، وكان كفؤاً لها، وجب على وليها ـ كالأخ، ثم العمّ ـ أن يزوجها به، فإن عَضَلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه، أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء. فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤاً باتفاق الأئمة"٧٨.
الحق الحادي عشر: مراعاة مشاعر المطلَّقات ونفسياتهنّ.
يقع الطَّلاق ـــ غالبا ـــ بعد مرحلة من الخلافات المستمرة بين الزوجين؛ والتي جعلت استمرار الحياة الزوجية بينهما مستحيلة، وبعد وقوع الطَّلاق تعيش المطلَّقات ـــ غالباً ـــ في حالة نفسية، ويدخل كثير منهن حالة من التضارب العاطفي، ناتجة عن الضغوط النفسية والتربوية، التي يتعرضن لها، إلى جانب شعورهن بالظلم والرفض من المحيطين بهن بصفة خاصة، ومن المجتمع بصفة عامة. وشعور المطلَّقات بأنهن ضحية الخداع؛ لذا وجب مراعاة نفسيّة المطلَّقات، وتقدير الوضع الذي يمررن به. ومن مراعاة الله للمطلَّقات:
جاء في القرآن الكريم وجوب المتعة لهنَّ. قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٦]. وسبق الإشارة إليه.
وجاء في القرآن الكريم وجوب النفقة والسكنى للمطلقة الرجعية، قال تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ﴾ [الطَّلَاق:١]. مراعاة للأشهر الأولى من مرحلة الطَّلاق. ولا شك أن بقاءهن في بيوتهن مما يخفف ألم الطَّلاق، ويخفف كسرة الفراق، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، فتصلح أوضاعهنّ، ويرجعن إلى عصمة أزواجهن.
وجاء في القرآن الكريم التصريح بوصفهنّ بالمطلَّقات في موضعين من القرآن:
في قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨] . وفي قوله تعالى: ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٤١]. أقول: ولعل في إثبات هذا الوصف عليهن (المطلَّقات)، في موضعين من القرآن، فيه جبرٌ لكسر قلوبهن، وإزالة لما قد يقع في نفوس بعضهن من قسوة هذه الكلمة.
وجاء في تعليل تحريم طلاق الحائض في الإسلام، وكذا عدم وقوع طلاق الحائض، ـ على الصحيح من أقوال أهل العلم ـ: أنه خلاف أمر الله ورسوله. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَ﴾ [الطَّلَاق:١]. فالعدة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء: أن يطلقها الإنسان طاهرا من غير جماع.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ:" مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ " ٧٩. وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: طَلَّقتُ امرأتي وهي حائِضٌ، فذكَرَ ذلك عُمَرُ للنبيِّ ﷺ ، فتغَيَّظَ رَسولُ الله ﷺ، ثمَّ قال: " مُرْه فليُراجِعْها حتى تحيضَ حَيضةً أُخرى مُستَقبَلةً سِوى حَيضتِها التي طَلَّقَها فيها، فإن بدا له أن يُطَلِّقَها فليُطَلِّقها طاهِرًا مِن حَيضتِها قبل أن يَمَسَّها، فذلك الطَّلاق للعِدَّةِ كما أمَرَ اللهُ". وكان عبدُ اللهِ طَلَّقها تطليقةً واحِدةً، فحُسِبَت مِن طلاقِها، وراجَعَها عبدُ اللهِ كما أمَرَه رَسولُ الله ﷺ ٨٠.
فقالوا في تعليل عدم وقوع طلاق للحائض؛ لأنّ المرأة تمرّ حال وقت حيضها بحالة نفسية قد تسبّب لها بعض التصرفات أو التعامل غير المعتاد مع زوجها، فتنشأ من خلاله مشاكل بينهما يؤدي إلى طلاقهما.
لذا وجب مراعاة نفسياتهن.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨]. وفي الآية: دليل على مراعاة الله لنفسية المطلَّقات. قال صاحب الوسيط في التفسير تعليقاً على هذه الآية:" وفي قوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ ما فيه من الإبداع في الإشارة والنزاهة في العبارة والسمو في المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس، إنّه يقول للمطلقة: إنّ التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيباً، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرّة الكريمة أن تتنقل بين الأزواج تنقلا سريعا..."٨١.
الحق الثاني عشر: إعطاء المطلَّقات كامل حقوقهنّ، وعدم التساهل فيها.
جاء في القرآن الكريم وجوب إعطاء المطلَّقات حقوقهنّ كاملة، والتحذير من التساهل في أحكام الطَّلاق والعدة.
وذلك أنَّ الله سبحانه خاطب نبيه ﷺ والمؤمنين بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ﴾ [الطَّلَاق:١]. أي: إذا أردتم طلاق نسائكم فالتمسوا لطلاقهنَّ الأمر المشروع، ولا تبادروا بالطَّلاق من حين يوجد سببه، من غير مراعاة لأمر الله. فطلقوهنَّ مستقبلات عدتهنَّ، بأن يطلقها زوجُها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها فيه، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملاً، وأمرهم بتقوى الله في جميع أمورهم.
وتعليق قوله تعالى: ﴿طَلَّقۡتُمُ﴾ بإذا الشرطية، يشعر بأن الطَّلاق خلاف الأصل، إذ الأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة، وعلى الدوام والاستقرار.
والمخاطب بقوله: ﴿وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ﴾ الأزواج على سبيل الأصالة، لأنهم هم المخاطبون بقوله: ﴿طَلَّقۡتُمُ﴾ وبقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ ، ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم، وهو إحصاء العدة.
وأشار ابن عاشور عند تفسيره الآية أنّ قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ﴾ فيها " تحذير من التساهل في أحكام الطَّلاق والعدة؛ ذلك أنّ أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزناً، وكان قُرابة المطلقات قلّما يُدافعن عنهن، فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها، فلذلك كانت هذه الآيات شديدة اللهجة في التحدّي، وعبّر سبحانه عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود الله. ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف: ﴿رَبَّكُمۡۖ﴾ للتذكير بأنه حقيق بأن يُتَقى غضبه" ٨٢.
وعن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية رضي الله عنها قالت:" طُلِّقتُ على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يكن للمطلقة عدة. فأنزل الله ـ عز وجل ـ حين طُلِّقتْ أسماء العدّة للطلاق؛ فكانت أوّل مَن نَزَلتْ فيها العدّة للطلاق، يعني: ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨]٨٣.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٠].
استُنبط من هذه الآية : أنّ من حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل في إيقاع الطَّلاق، فإن ّالرجل الشريف الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطَّلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع، وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التي تتميز بسعة الصدر وضبط النفس ٨٤.
المبحث الثاني: حقوق المطلَّقات الرَّجعيات في القرآن الكريم
المطلَّقة الرَّجعية المراد بها كما سبق: هو أن يطلق الزوج امرأته المدخول بها الطلقة الأولى، أو الثانية، على غير عوض؛ وله مراجعتها بعدهما إن رغب ما دامت في العدة.
وهي في الحالتين زوجته قبل أن تنتهي عدتها. فتسري عليها أحكام الزوجة من وجوب النفقة عليها، ولزوم طاعته، وجواز الكشف له، والانفراد بها، والتطيّب له، وممازحته والضحك إليه، والسفر معها، فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها، إلا أنه لا قسم لها ٨٥.
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر عدد من الحقوق للمطلَّقات الرجعيات إضافة إلى ما سبق في المبحث الأول وهي:
الحق الأول: حقُّ النفقة والكسوة والسكنى في العدِّة.
المطلَّقات الرجعيات لهنّ حق النفقة والكسوة والسكنى أيام العدة كالزوجات، إلا أنّه لا قسم لهنّ.
فقد جاء في القرآن الكريم أنَّ المطلَّقات الرجعيات حكمهنّ حكم الزوجات، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨].
فسمّى الله المطلّقين بعولة، والأصل في الإضافة الحقيقة. فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلَّقات، وعليه فالمطلَّقات الرجعيات في حكم الزوجات. إذ أُطلِق على الرجعة لفظ الإمساك، وعلى الزوج المُطلّق لفظ الزوج.
واتّفق الفقهاء على وجوب نفقة المُطلَّقة طلاقاً رجعيّاً على الزوج خلال أيّام عدّتها فقط٨٦.
قال الشافعي:" لم أعلَم مُخالفًا من أهل العلم في أنَّ المطلَّقة التي يملكُ زوجها رجعتها في معاني الأزواج؛ في أنَّ عليه نفقتها وسُكناها" ٨٧.
وتشمل نفقتها الطعام، والشراب، والسكن والملبس؛ سواءً كانت الزوجة حاملاً، أم لا.
وجاء في القرآن الكريم الدلالة على وجوب النفقة والسكنى للمطلَّقات طلاقاً رجعياً بقوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطَّلَاق:١].
ووجه الدلالة أن الله نهى عن إخراجهن من بيوتهن، فأوجب لهنّ حق السكنى، وأمر ببقاء الزوجة في بيت زوجها خلال فترة العدّة، ممّا يعني أنّ نفقتها واجبة على الزوج؛ إذ إنّها محبوسةٌ لأداء حقّ الزوج، فوجبت عليه نفقتها.
قال ابن عاشور:" وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء في قوله: ﴿بُيُوتِهِنَّ﴾ إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يُسمَّى في الفقه مِلْك الانتفاع دون العين، ولأنّ بقاء المطلَّقات في البيوت اللاتي كنَّ فيها أزواجاً استصحابٌ لحال الزوجية، إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب "ربة البيت" وللمطلّقة حكم الزوجة ما دامت في العدّة إلا في استمتاع المُطَلِّق"٨٨.
قال السعدي: " ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، والإخراج إلى تمام العدة ﴿إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ أي بأمر قبيح واضح موجبٌ لإخراجها " ٨٩.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ﴾ [الطَّلَاق:٦] .
ووجه الدلالة أن الله عز وجل أمر بإسكان الزوجات المطلَّقات في منزل حتى تنتهي عدتها، والمطلَّقات الرجعيات زوجات؛ فالسكن والنفقة لازمان على الزوج، سواء كنَّ الرَّجعيات حاملات أم لا.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣].
فظاهر الآية أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة في حباله، أو بائناً منه؛ فإن كانت في حباله فلوجوب الإنفاق عليها سببان: الزوجية، والإرضاع؛ وإن لم تكن في حباله فلها سبب واحد وهو الإرضاع؛ ولا يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان كما في الزوج يكون ابن عم، فيرث بالزوجية، والقرابة.
والمعتبر في النفقة والكسوة والسكنى حال الزوجة؛ لا حال الزوج؛ فإذا كان الزوج فقيراً وهي غنية يُلزَم بنفقة غني، وكسوة غني؛ وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم؛ وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن المعتبر حال الزوج، واستدل بقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا﴾ [الطَّلَاق:٧] ٩٠.
وذكر ابن عاشور في أول سورة الطَّلاق علل وجوب السكنى للمطلقة الرجعية بقوله:" والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة: أنها حفظ الإعراض فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها، وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف عليها، ولا تجد ذا عصمة يذبّ عنها؛ فلذلك شُرعت لها السكنى... ومن الحكم أيضاً في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكناً... ويزاد في المطلقة الرجعية قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها لعلهُ أن يثوب إليه رشده فيراجعها "٩١.
الحق الثاني: ابقاؤهن في بيوتهن وعدم إخراجهن منها.
سبق الحديث عن أنَّ من حقوق المطلَّقات السكنى في بيوتهن.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطَّلَاق:١]. فنهى سبحانه عن إخراج المطلَّقات من ببيوتهن في قوله: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ﴾. والبيوت هي: التي كنّ فيها عند الطَّلاق ما دمن في العدّة.
وأضاف البيوت إليهنّ والأصل أنها لأزواجهنّ؛ لتأكيد النهي عن الإخراج والخروج، وبيان كمال استحقاقهنّ للسكنى في بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق المالك لما يملكه. ومثله قوله: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأَحۡزَاب:٣٣]. وقوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأَحۡزَاب:٣٤].
ولما نهى الأزواج عن إخراجهنّ من البيوت التي وقع الطَّلاق وهنّ فيها، نهى الزوجات عن الخروج أيضاً فقال: ﴿وَلَا يَخۡرُجۡنَ﴾ أي: لا يخرجن من تلك البيوت ما دمن في العدّة إلاّ لأمر ضروري.
وقيل: المراد لا يخرجن من أنفسهن إلاّ إذا أذن لهنّ الأزواج، فلا بأس ٩٢.
وقال تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾ [الطَّلَاق : ٦] أمرٌ من الله بإسكان المطلقات، وقدّر الإسكان بالمعروف، وهو البيت الذي يسكنه مثله مثلها، بحسب وجد الزوج وعسره، وجاء النهي عن إخراجها؛ لأنّ المسكن يجب على الزوج للزوجة لتعتدّ به.
فيجب على الأزواج أن يبقوا مطلقاتهم في البيت، ولا يجوز أن يخرجوهن منه، فإن أخرجوهن منه فهم عاصون لله وظالمون لهن؛ لأن البيت بيتهن.
وإذا أردن الخروج؛ كما هي عادة بعض النساء إذا طلقهن زوجهن غضبن، وخرجن بأنفسهن، فهو حرام عليهن الخروج. حتى انتهاء العدة. إلا عند ارتكابهن الفاحشة الشديدة القبح.
وفي حال بقائها في البيت، وهي في العدة للمطلقة أن تتجمّل وتتزين، وتتشرف لزوجها بلا حجاب، فهي زوجة ما دامت في العدة، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨]، والبعل هو الزوج.
الحق الثالث: المتعة.
المـُتـعة: مبلغٌ من المال يختلف باختلاف حال الزوج يسراً وعسراً، يدفعه الزوج لمطلَّقته، جبراً لها عن ألم فراقها. وهو حق زائد على النفقة.
وجاء في القرآن الكريم أمر الأزواج بأن يمتّعوا مطلَّقاتهم غير المدخول بهنّ، واللائي لم يُفرض لهنّ مهراً، كُلٌّ بحسب وسعه؛ وذلك جبراً لخواطرهنّ.
فيعطيها ما فيه المتعة والبلاغ، من زاد، أو لباس، أو غير ذلك، مما تقتضيه الحال والعرف.
قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٦].
وقوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيها قراءتان:
القراءة الأولى: قرأ بها حمزة والكسائي: بضم التاء وألف بعد الميم (تُمَاسّوهن).
وقرأ الباقون: بفتح التاء من غير ألف (تَمَسّوهن)٩٣. وكلاهما بمعنًى واحد، فعلى قراءة: (تُمَاسّوهن) يكون المسيس من الجانبين؛ فكلٌ من الزوج، والزوجة يمسّ الآخر. وأما قراءة (تَمَسّوهن) على حذف الألف الذي يفيد وقوع الفعل من جانب واحد فهو أيضاً واقع؛ لأن حقيقة الفاعل هو الرجل، فهو ماسّ.
والمراد به الجماع؛ لكن جرت عادة العرب ـــ والقرآن بلسان عربي مبين ـــ أن يُكنوا عما يستحيا من ذكره صريحاً بما يدل عليه.
والمعنى: ليس عليكم يا معشر الأزواج جُناح وإثم بتطليق النساء قبل المسيس ٩٤ وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسرٌ لها، فإنه ينجبر بالمتعة. فعليكم أن تمتعوهنّ بأن تعطوهنّ شيئاً من المال؛ جبراً لخواطرهن، وليس لهم أن يبخسوهن. فكما تسببوا لتشوفهنّ واشتياقهنّ وتعلّق قلوبهنّ، ثم لم يعطوهنّ ما رغبنَ فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة. فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدلّه على حكمة شارعه ورحمته!! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟ ٩٥.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا﴾ [الأَحۡزَاب:٤٩].
فقوله: ﴿نَكَحۡتُمُ﴾ فالنكاح: يطلق على العقد وعلى الجماع؛ والمراد بالنكاح هنا العقد ٩٦.
والمعنى: فإذا عقدتم على النساء ثم طلقتموهنّ بعد العقد من قبل أن تجامعوهنّ، فما لكم عليهنّ من عدة تحصونها بالأقراء وغيرها. ويجب عليكم أن تعطوهنّ ما يستمتعن به من الدراهم، ومن الثياب، ومن المتاع، ومن العقار، ومن أي شيء. فالله عزَّ وجل أطلقها. ثمَّ إنها مُطلَقة من جهة الكمية، كما أنها مُطلَقة من جهة النوعية. ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره على حسب حال الزوج. هذا كله إن لم يكن سمّي لهن صداقا، وإلا فلهن نصف المسمّى فقط.
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "والمتعة هاهنا أعمُّ من أن تكون نصف الصداق المسمَّى، أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمَّى لها"٩٧.
وجاء في القرآن الكريم الأمر بالمـُتعة لعموم المطلَّقات. قال تعالى: ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ:٢٤١]. فالمطلَّقات من ألفاظ العموم؛ لأن(أل) فيها اسم موصول؛ فيشمل كل المطلَّقات فيجب المتعة لهن ويستثنى من ذلك: من طَلُقتْ قبل الدخول وقد فُرِضَ لها المهر، ومن طَلُقتْ بعد الدخول فلها المهر. إن كان مُسمّى فهو على ما سُمّي؛ وإن لم يكن مُسمّى فلها مهر المثل.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن من طلقت بعد الدخول فلها المتعة على زوجها مطلقا؛ لعموم الآية٩٨.
قال السعدي: " أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقاً على كل متقٍ، جبراً لخاطرها وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طلقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها. وقيل إنّ المتعة واجبة على كل مطلَّقة احتجاجاً بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أنَّ المطلق محمول على المقيّد. وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصةً" ٩٩.
قال القرطبي:" وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها مهر، ولم يدخل بها لا شيء غير المتعة"١٠٠.
وعموم حكم المتعة للمطلَّقات: اختلف فيه العلماء على أقوال:
القول الأول: وجوب المتعة لكل مطلقة. وهو مذهب الظاهرية، والحنابلة في رواية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لعموم الآيات السابقة، وفيها جاء الأمر، والأمر يقتضي الوجوب.
القول الثاني: استحباب المتعة مطلقاً لكل مطلَّقة، وهو مذهب المالكية؛ لعموم الآيات السابقة، إلا أنّ ظاهر الآيات هو على التفضّل والإحسان لا على الإيجاب؛ لذا خصّصها الله على المتقين والمحسنين، وهذا ينفي وجوبها؛ إذ لو كانت واجبة لأطلقها على الجميع.
القول الثالث: التفصيل، فالمتعة مستحبة للمطلَّقات عامة، وتجب للمطلَّقة قبل الدخول. إن لم يجب لها شطر مهر بأن كانت مفوّضة، ولم يفرض لها شيء. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة ١٠١.
قال الشنقيطي:" والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أنَّ النص الدَّال على الأمر مقدَّم على الدَّال على الإباحة...وظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ، وقوله: ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ﴾ يقتضي وجوب المتعة في الجملة، خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا" ١٠٢.
وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ﴾، فيها دليل على شمولية المتعة، فكل ما يتمتع به من مالٍ، أو أثاث، أو عقار، أو غيره، داخل فيه؛ لأنّ اللفظ جاء مطلقاً، وحُذف متعلّقه.
وقيّد الله في القرآن الكريم المتاع بالمعروف، فتقدير المتعة مردّه إلى العرف، إذا لم يكن العرف مخالفاً للشرع؛ فإن كان مخالفاً للشرع وجب ردّه إليه.
كما دلّت الآية: على أنّ العبرة في تحديد قدر المتعة إلى حال الزوج، يُسراً وعُسراً.
وهذا الحق المالي للمطلَّقة يغفل عنه كثير من الناس، وقلَّ في الزمن الحاضر من يؤدي هذا الحق (المتعة) للمطلَّقات؛ لأن غالب النساء تنشد السلامة والتسريح بإحسان قطعاً للنزاع والخصومة.
والمطالبة بنفقة المتعة حق شخصي للمطلَّقة، ولا يجوز لغيرها المطالبة به، حتى لو كان من أهلها أو أولادها.
ومما يدل على المتعة ما رواه سهل بن سعد أبو أُسيد رضي الله عنه قال: خرجنا مع النّبي ﷺ حتى انطلقنا إلى حائطٍ يقال له الشَّوط، حتّى انتهينا إلى حائطين، فجلسنا بينهُما، فقال النّبيُّ ﷺ :" اجْلِسُوا هَاهُنَا. ودَخَلَ، وقد أُتِيَ بالجَوْنِيَّةِ١٠٣، فأُنزِلت في بَيتٍ في نَخلٍ في بَيتِ أُمَيمَةَ بنت النُّعمَانِ بنِ شَرَاحِيلَ، ومعهَا دَايَتُهَا حَاضِنَةٌ لَهَا، فلمَّا دخل عَلَيهَا النَّبيُّ ﷺ قَال: هَبِي نَفسَكِ لي، قَالَت: وهل تَهَبُ المَلِكَةُ نَفسَهَا لِلسُّوقَةِ؟! قالَ: فأهوَى بيدِهِ يضَعُ يَدَهُ عَلَيهَا لِتَسكُنَ، فَقَالَت: أعُوذُ باللَّه مِنكَ، فَقَالَ: قد عُذتِ بمَعاذٍ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: يا أبَا أُسَيدٍ، اكسُهَا رَازِقِيَّتَينِ،١٠٤ وأَلحِقهَا بأَهلِهَا" ١٠٥.
الحق الرابع: المطلَّقات غير المدخول بهنَّ ليس عليهنّ عدّة، ولهنّ الحق في عدم مراجعتهنّ إلا بإذنهنّ وعقدٌ ومهرٌ جديدين.
جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ﴾ [الأَحۡزَاب:٤٩]، فقوله: ﴿فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ﴾ قال ابن كثير:" هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشراً، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا "١٠٦.
فالمطلَّقات قبل الدخول بهن لا عدَّة عليهنَّ بنص الكتاب وإجماع الأمة على ذلك، مهما طالت المدّة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ﴾. ويصير أمرهنَّ بأيديهنَّ فوراً، وتحلّ للخطَّاب. وليس للزوج المطلِّق أن يراجعها إلى عصمته إلا بإذنها وبعقد ومهر جديدين.
الحق الخامس: الإرث، وهو حق للمطلَّقات ما دُمن في العدة.
الإرث: هو خلافة الحي للميت في ماله بحكم الشرع، أو نصيب مقدر شرعاً لوارث.
فالمطلَّقات الرجعيات ـ سبق بيان أنهنَّ في حكم الزوجات.
فقد جاء في القرآن الكريم أنَّ المطلَّقات الرجعيات حكمهنَّ حكم الزوجات، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨].
فسمّى الله المطلقين بُعُولة، والأصل في الإضافة الحقيقة. فاقتضى ظاهره أنهم أزواجٌ للمطلَّقات، وعليه فالمطلَّقات الرجعيات في حكم الزوجات. إذ أُطلِق على الرجعة لفظ الإمساك، وعلى الزوج المُطلّق لفظ الزوج.
وقال تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطَّلَاق:١]. فقد أمر الله سبحانه وتعالى الزوجة المطلَّقة أن تبقى في بيت زوجها في فترة العدة، وقال: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾ يعني به الرجعة.
فإذا مات أزواج المطلَّقات الرجعيات وهنَّ في العدة، فإنهنَّ يرثنه كغيرهنَّ من الزوجات، ويأخذن نصيبهنَّ الذي فرضه الله لهنَّ. ولا يجوز النقص منه، أو المساومة عليه إلا برضاهنَّ. ولا يجوز حرمانهنَّ منه تبعاً لرغبة الزوج وهواه، فهو مخالفٌ للشرع، وتَعَدٍّ على حدود الله.
قال ابن قدامة المقدسي:" وإذا مات زوج الرجعية، استأنفت عدة الوفاة، أربعة أشهر وعشرا، بلا خلاف"١٠٧. وقال ابن المنذر:" وأجمعوا على أن من طلق زوجته، مدخولا بها، طلاقا يملك رجعتها، وهو صحيح أو مريض، فماتت أو مات قبل أن تنقضي عدتها، فإنهما يتاورثان" ١٠٨.
الحق السادس: لا رجعة لأزواجهنَّ إلا إنَّ أرادوا الإصلاح.
جاءت النصوص على مشروعية الرجعة في حق المطلقة الرجعية، قال ابن المنذر:" وأجمعوا على أن له الرجعة في المدخول بها مالم تنقض العدة"١٠٩.
جاء في القرآن الكريم أنَّه لا حقّ للأزواج في الرجعة لزوجاتهم المطلَّقات إذا لم يريدوا الإصلاح.
قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗا﴾ [البَقَرَةِ:٢٢٨]. البُعُولَةُ: جمع البَعْل، وهو زوج المرأة، سمي بعلاً لعلوّه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيّتها.
والمعنى كما قال السعدي أنَّ " لأزواجهنّ ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهنّ إلى نكاحهنّ ﴿إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗا﴾ أي: رغبة وألفة ومودة. ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهنَّ، فلا يحل لهم أن يراجعوهنَّ لقصد المضارّة لها، وتطويل العدة عليها "١١٠.
فالواجب إبقاء الآية على ظاهرها؛ فليس له أن يراجع إلا بهذا الشرط. وهو إرادة الإصلاح؛ وذلك بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدّة والقطع بها عن الخلاص من رِبقة النكاح فمحرّم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣١]، ثم مَنْ فعل ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه١١١.
وفي الآية حضّ المطلِّق على أن ينوي بإرجاعه لمطلَّقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارّة، ففي هذه الحالة يكون آثماً، وسيعاقبه الله على ذلك بما يستحقه.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ﴾ [النِّسَاء:٣٥]. فإنَّ الحَكَمَين بين الزوجين إذا أرادا إصلاحاً بين الرجل والمرأة، المخوف الشقاق بينهما، يوفق الله بين الحَكَمَين، فيتفقا على الإصلاح بينهما ذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه من بعث للنظر في أمر الزوجين.
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٠]. والمعنى: فإن طلقها الزوج الثاني؛ فلا إثم على الزوج الأول، وزوجته المطلقة من الزوج الثاني أن يرجع أحدهما إلى الآخر بعقد جديد، إن ظنّ الزوج الأول، وزوجته أن يقيما ما أوجبه الله على كل منهما من المعاشرة بالمعروف. ولم يقل سبحانه: إن علما أنهما يقيمان حدود الله؛ لأن اليقين مغيّب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسّر الظن ها هنا بالعلم فقد وهم، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظن ظنّا ١١٢ .
قال ابن عثيمين:" فلا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله؛ أي أن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ وإذا تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئاً، وعناءً، وتعباً، وخسارة مالية؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى" ١١٣.
المبحث الثالث: حقوق المطلَّقات البائنات في القرآن الكريم
جاء في القرآن الكريم ذكر عددٍ من الحقوق للمطلَّقات طلاقاً بائناً، إضافةً إلى الحقوق المشتركة لهنّ السابق ذكرها، ومنها:
الحقّ الأول: حقّ النفقة والسكنى إن كنّ أولات حملٍ حتى يضعن حملهنَّ
.
من الحقوق التي تجب للبائنات بفسخ أو طلاق: أنّ لهن النفقة والسكنى إن كنَّ أولاتِ حملٍ، على الصحيح من أقوال أهل العلم. قال تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ﴾ [الطَّلَاق:٦]. وسبق بيان هذا الحق. وذكرنا هناك أنَّ الأحناف يرون وجوب النفقة والسُّكنى للبائن حاملا أو غير حامل. وأن المالكيّة والشافعيّة يرون أنّ المطلّقة طلاقاً بائناً ـ غير الحامل ـ لها الحقّ في السُّكنى دون النفقة. فلتنظر المسألة هناك١١٤.
الحق الثاني: حقّ الرضاعة والنفقة عليهنّ مدة الرضاعة:
من الحقوق التي تجب للبائنات بفسخ أو طلاق: أنَّ لهنَّ حق رضاعة أولادهن. ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣] ، وأوجب الله سبحانه للأم التي ترضع ولدها النفقة على المولود له، وهو الأب، وهذا شامل لما إذا كانت في حباله أو مطلقة، فإن على الأب نفقتها. قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البَقَرَةِ:٢٣٣]. وقال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ﴾ [الطَّلَاق:٦]. وسبق بيان هذا الحق مفصلا ١١٥.
الخاتمة
وبعد هذا التطواف في بيان حقوق المطلَّقات في القرآن الكريم، يمكنني في خاتمة هذا البحث أن أسطر أهم نتائجه، وهي:
ـ عناية القرآن الكريم بشؤون الأسرة عموماً، والمطلَّقات خصوصاً، فذكر كثيراً من أحكامهن، وما يترتب لهنّ من حقوق وواجبات، والتي تسهم في تكوين أسرة مستقرة، وتدفع الخلاف والشقاق والنزاع بين الزوجين.
ـ أن الطَّلاق عدة أنواع، وفق اعتبارات متعددة.
ـ يرغّب القرآن الكريم باستمرار العلاقات الزوجية، والبعد عن الطَّلاق ما أمكن إلى ذلك سبيلاً.
ـ ركّز القرآن في الحديث عن المطلَّقات على أنَّ كثيراً من أحكامه مبنيّةٌ على التفاهم والتشاور، والتأكيد حين إنهاء كثير من العلاقات أن تنهى بالتراضي والتشاور والائتمار بالمعروف. وعدم نسيان الفضل بينهم.
ـ أنَّ تقوى الله يجب أن تكون حاضرةً عند المطلِّقين والمطلَّقات دائماً، والحذر من تعدي حدود الله أو الظلم، ومراعاة علم الله بجميع الأحوال وأنه سبحانه مطلِّع وعالمٌ بها.
ـ راعى القرآن في كثير من أحكام المطلَّقات العُرف.
ـ تعتبر المطلَّقات ــــ غالباً ــــ الجانب الأضعف، ويلحقهنَّ الضرر الأكبر من الطَّلاق؛ لذا أكدّ القرآن في آيات الطَّلاق على عدم تعدي حدود الله، والتحذير من الظلم، وأكل الحقوق.
ـ اعتنى المفسرون في كتب التفسير وكتب أحكام القرآن بذكر كثيرٍ من أحكام الطَّلاق، واستنباط العديد من الحقوق والواجبات التي أوردوها أثناء تفسير آيات الطَّلاق. وهو امتداد لعناية الفقهاء والمحدثين وغيرهم بذكر تلك الأحكام والواجبات.
ـ تحديد (٢٠) حقَّاً من حقوق المطلَّقات التي تحدث عنها القرآن الكريم، منها: (١٢) حقاً مشتركاً، ومنها:(٦) حقوق للمطلَّقة الرجعية، ومنها: (٢) من الحقوق للمطلَّقة البائن.
ومن التوصيات التي أوصي بها في نهاية هذا البحث:
ـ أن تجمع وتدرس جميع الحقوق الواردة في القرآن الكريم وإبرازها.
ـ أن تبرز عناية القرآن الكريم بالأسرة والمجتمع عموماً، وإرشادهم لما يصلح حياتهم.
والحمد لله رب العالمين،،،
- القرآن الكريم.
- ١ الإجماع، لابن المنذر، دار طيبة للنشر والتوزيع، ١٤٠٢.
- ٢ أحكام القرآن لابن العربي، ت: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية.
- ٣ أحكام القرآن، للجصاص، ت: محمد قمحاوي، دار إحياء التراث العربي.
- ٤ الإحكام في تفسير آيات الأحكام، إعداد عطاءات العلم، دار عطاءات العلم.
- ٥ إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، للألباني، المكتب الإسلامي.
- ٦ الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية.
- ٧ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشنقيطي، مكتبة ابن تيميه.
- ٨ إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، ت : محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الباز.
- ٩ الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، للحجاوي، دار المعرفة، لبنان.
- ١٠ الأم، للإمام الشافعي، دار المعرفة، بيروت.
- ١١ تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد، لابن عاشور، الدار التونسية.
- ١٢ تحفة المحتاج تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي، دار إحياء التراث العربي.
- ١٣ تفسير سورة النساء للعثيمين، دار ابن الجوزي.
- ١٤ تفسير العثيمين، من جزء قد سمع وتبارك، دار الطبري.
- ١٥ تفسير الفاتحة والبقرة، للعثيمين، دار ابن الجوزي.
- ١٦ تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ت: السلامة، دار طيبة.
- ١٧ تفسير القرآن العظيم، لابن أبي حاتم، ت: أسعد محمد الطيب، مكتبة نزار الباز.
- ١٨ التفسير الوسيط للقرآن الكريم، لمحمد سيد طنطاوي، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع.
- ١٩ التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، دار الكتب العمية.
- ٢٠ تهذيب اللغة، لمحمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، ت: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي.
- ٢١ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، مؤسسة الرسالة.
- ٢٢ جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، ت: أبو الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي.
- ٢٣ جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، تحقيق د. التركي، بالتعاون مع مركز البحوث بدار هجر.
- ٢٤ الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، دار الكتب المصرية.
- ٢٥ جامع المسائل، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ت: محمد شمس، دار عطاءات العلم.
- ٢٦ حاشية ابن عابدين، (رد المحتار على رد المختار)، دار عالم الكتب، الرياض.
- ٢٧ حاشية الجمل، الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، لسليمان الجمل، دار الكتب العلمية.
- ٢٨ حجة القراءات، لابن زنجلة، ت: سعيد الأفغاني، دار الرسالة.
- ٢٩ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، دار إحياء التراث العربية.
- ٣٠ زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، مؤسسة الرسالة، بيروت.
- ٣١ سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، مكتبه المعارف، الرياض.
- ٣٢ سلسلة الأحاديث الضعيفة، للألباني، مكتبه المعارف، الرياض.
- ٣٣ السنن الأربعة، اعتنى بها فريق بيت الأفكار الدولية.
- ٣٤ السنن الكبرى، للبيهقي، دار المعرفة، بيروت.
- ٣٥ الشرح الممتع على زاد المستقنع، للعثيمين، مكتبة دار المنهاج.
- ٣٦ صحيح ابن حبان، ترتيب: ابن بلبان، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، لبنان.
- ٣٧ صحيح البخاري، اعتنى به أبو صهيب الرومي، بيت الأفكار الدولية.
- ٣٨ صحيح الترغيب والترهيب، للألباني: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض.
- ٣٩ صحيح الجامع الصغير، للألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ـ
- ٤٠ صحيح مسلم بشرح النووي، اعتنى به أبو صهيب الرومي، بيت الأفكار الدولية.
- ٤١ علل الترمذي الكبير، للترمذي، ت: صبحي السامرائي، عالم الكتب.
- ٤٢ علل القراءات، للأزهري، ت: نوال إبراهيم الحلوة.
- ٤٣ غريب القرآن، لابن قتيبة الدينوري، ت: أحمد صقر، دار الكتب العلمية.
- ٤٤ فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للشوكاني، عالم الكتب.
- ٤٥ فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لابن حجر، دار المعرفة.
- ٤٦ فقه الأسرة، ت: أحمد علي طه ريان.
- ٤٧ القاعدة الذهبية في المعاملات الإسلامية لا ضرر ولا ضرار، لابن رجب الحنبلي، ت: إيهاب غيث، دار الكتاب العربي.
- ٤٨ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، محمد عبد السلام، الكتب العلمية.
- ٤٩ الكشف والبيان عن تفسير القرآن، للثعلبي، رسائل علمية. دار التفسير.
- ٥٠ اللباب في شرح الكتاب، عبدالغني الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي، المكتبة العلمية، لبنان.
- ٥١ لسان العرب، لابن منظور، دار الفكر.
- ٥٢ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب: ابن قاسم، مكتبة ابن تيمية.
- ٥٣ محاسن التأويل، للقاسمي، دار الفكر بيروت.
- ٥٤ المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي، د. مصطفى الزرقاء، دار القلم، دمشق، ١٤٢٠.
- ٥٥ المستدرك على الصحيحين في الحديث، للحاكم، دار الفكر، بيروت.
- ٥٦ المسند، للإمام أحمد بن حنبل، دار الفكر العربي.
- ٥٧ المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، ت: عامر الأعظمي، الدار السلفية.
- ٥٨ معالم التنزيل، للبغوي، ت: محمد النمر وآخرون، دار طيبة.
- ٥٩ المعجم الأوسط، للطبراني، دار الحرمين، القاهرة.
- ٦٠ المعجم الصغير، للطبراني، ت: محمد أمرير، المكتب الإسلامي.
- ٦١ معجم مقاييس اللغة، لابن فارس، ت : عبد السلام هارون، دار الجيل بيروت.
- ٦٢ المعجم الكبير للطبراني، ت: حمدي السلفي، دار إحياء التراث العربي.
- ٦٣ المغني، لابن قدامة، ت: د. عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، دار هجر.
- ٦٤ مفاتيح الغيب، للرازي ، دار الفكر، بيروت.
- ٦٥ المكتبة الشاملة، مكتبة رقمية.
- ٦٦ الموطأ، للإمام مالك، صححه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- ٦٧ النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، ت: علي الضباع، ط: المطبعة التجارية الكبرى.
- ٦٨ النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ت:الزاوي، والطناحي، المكتبة العلمية.
- ٦٩ الوسيط في تفسير القرآن المجيد، للواحدي ، ت: عدد من الباحثين، دار الكتب العلمية.
فهرس المصادر والمراجع١١٦.
الهوامش
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن،باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ح ٥٠٢٧.من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان به. ---^
- انظر: تفسير سورة النساء للعثيمين:١/١٦١. ---^
- أخرجه أبو داود في سننه،كتاب الطلاق، باب في طلاق السنة،ح ٢١٧٨، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب حديث سويد بن سعيد، ح ٢٠١٨عن ابن عمر. وصححه الشيخ ابن باز في فتاواه، وضعفه الألباني. وانظر: التلخيص الحبير:ح١٥٩٠، وإرواء الغليل:ح٢٠٤٠. قال الشيخ العثيمين:" هذا الحديث ليس بصحيح ، لكنَّ معناه صحيح ، أن الله تعالى يكره الطَّلاق ، ولكنه لم يحرمه على عباده للتوسعة لهم ". انظر: لقاءات الباب المفتوح ، لقاء رقم ٥٥، سؤال رقم ٣. ---^
- انظر: لسان العرب:١٠/ ٤٩، المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية ١/ ١٩٤. ---^
- انظر:معجم مقاييس اللغة:٢/١٥،مادة حق. ---^
- انظر: التعريفات للجرجاني، ص ٧٩. ---^
- انظر: المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الاسلامي، د. مصطفى الزرقاء، دار القلم ٣/ ١٩. ---^
- من تعريف الدكتور فتحي الدريني في كتابه:" الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده" ص٢٦٠. ---^
- انظر:معجم مقاييس اللغة:٣/٤٢٠،مادة طلق. ---^
- انظر:لسان العرب:١٠/٢٢٥، مادة طلق. ---^
- انظر: المغني لابن قدامة:١٠/ ٣٢٣، الإقناع، للحجاوي ٤/٢، تحفة المحتاج، لابن حجر الهيتمي٢/٨ـ الشرح الممتع ١٣/ ٥. ---^
- انظر: المبسوط للسرخسي:١٢/٦،الإنصاف للمرداوي:٩/٢٠٤، المغني لابن قدامة:٨/ ١٠١، تحفة المحتاج:٨/٢٣٢، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٢/ ٤٦٩. ---^
- انظر: اللباب في شرح الكتاب: ٣/ ٣٧. ---^
- انظر:تفسير الفاتحة والبقرة ، للعثيمين:١/٩٧. ---^
- سبق تخريجه،حاشية(٣). ---^
- قمستها بحسب نوع الطلاق، وجعلتها في ثلاثة مباحث :(حقوق مشتركة، حقوق للرجعية، حقوق للبائن). وسلك عدد من الباحثين طريقة أخرى في التقسيم، وهو تقسيمها إلى: حقوق مالية، وحقوق غير مالية. ---^
- أخرجه الطبري في تفسيره:٤/١٢٨، وابن ابي حاتم في تفسيره:٤/٢٢٠٨، ٢٢٠٩، بسنديهما عنه. وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير:١/٦١٢. ---^
- انظر:تفسير القرطبي:٣/١٢٧. ---^
- تفسير السعدي، ص ١٠٢. ---^
- أخرجه مالك في الموطأ،جامع الطَّلاق:٢/٥٨٨، وابن أبي شيبة في المصنف:٥/٢٦٠، والطبري في تفسيره:٤/ ١٢٥، ١٢٦، وابن أبي حاتم في تفسيره:٢/٤١٨، والبيهقي في سننه:٧/٣٣٣. وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب الطلاق واللعان، ح١١٩٢، والحاكم في المستدرك:٢/٢٧٩، من حديث عروة عن عائشة. والأصح وقفه على عروة. كما قال البخاري والترمذي. انظر:علل الترمذي الكبير:١/٤٧٠،ح١٨٠. ---^
- تفسير السعدي، ص ٨٦٩. ---^
- انظر:فتح القدير للشوكاني،٤/٣٣٤، التحرير والتنوير لابن عاشور ٢٢/ ٦٢. ---^
- انظر:تفسير القرآن العظيم لابن كثير:٦/٤٤١. ---^
- انظر:لسان العرب:١٠/١٩٧، فقه الأسرة:ص١٣٩ وعرف نظام الأحوال الشخصية السعودي ( المهر ) في المواد ٣٦و ٣٧و٣٨ بأنه:" المال الذي يدفعه الرجل للمرأة بسبب عقد الزواج. وكل ما صح اعتباره مالا صح اعتباره مهرا، وهو ملك للمرأة ، لا تجبر على أي تصرف فيه". ---^
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب السلطان ولي، ح٥١٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح ، باب الصداق،ح١٤٢٥. ---^
- تفسير السعدي،ص: ١٦٣. ---^
- أخرجه:أحمد في مسنده:٦/٤٧، ١٦٥، والترمذي في سننه،أبواب النكاح، ح١١٠٢، وأبو داود في سننه،كتاب النكاح، باب في الولي،ح٢٠٨٣،وابن ماجة في سننه،كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، ح١٨٧٩،من حديث عائشة، وصححه الألباني في إرواء الغليل:٦/٢٤٣،ح١٨٤٠. ---^
- جاء في المعجم الوسيط مادة (خلو): "الخلوة الصحيحة في الفقه: إغلاق الرجل الباب على زوجته، وانفراده بها". وعرفها نظام الأحوال الشخصية السعودي المادة السابعة بأنها: " انفراد الزوجين في مكان ليس عندهما من يميّز". ---^
- تفسير القرطبي:٣/٢٠٤. ---^
- المغني:١٠/ ١٣٨. ---^
- أخرجه الطبراني في المعجم الصغير:١/ ٨٤،ح١١١، وفي المعجم الأوسط:٢/ ٢٣٧،ح١٨٥١، عن أبي خلدة، عن ميمون الكردي، عن أبيه.. فذكره. وإسناد الطبراني رجاله ثقات، غير أن والد ميمون لم تثبت صحبته، فقد ذكر ابن حجر هذا الحديث في الإصابة:١/٤٥٠ وقال بعده:" كذا قال عن أبيه إن كان محفوظا ". وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: ٢/٤٠٨. ---^
- انظر:تفسير الطبري:٤/٣٣٨. ---^
- انظر:السبعة، ص١٨٢، حجة القراءات لابن زنجلة، ص١٣٥، النشر،ص ١٥٦. ---^
- التحرير والتنوير ٢/ ٤٢٢. ---^
- روح المعاني للألوسي:٢/١٣٤. ---^
- تفسير السعدي، ص ١٠٥. ---^
- أخرجه مسلم في صحيحه مطولا.كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، ح ١٢١٨. ---^
- أخرجه أبو داود في سننه،كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها، ح٢١٤٢، والحاكم في المستدرك،ح٢٧٦٤، واللفظ لهما، والطبراني في المعجم الكبير:١٩/٤٢٥،ح ١٠٣٤، باختلاف يسير. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود. ---^
- أخرجه الطبري في تفسيره:٤/٢٢٨، وابن أبي حاتم في تفسيره:٢/ ٤١٧،ح٢١٩٦.من طريق عكرمة عنه. ---^
- انظر:تفسير الطبري:٤/١٢١. ---^
- انظر:غريب القرآن لابن قتيبة،ص٨٩. ---^
- انظر:تفسير الطبري:٤/٢٣٧. ---^
- تفسير السعدي،ص ٨٧١ . ---^
- انظر:حاشية ابن عابدين:٢/٨٨٦. ---^
- انظر: بحث فقهي مقارن بعنوان:"نفقة الزوجة في العصر الحاضر، د.خالد المزيني، مجلة قضاء، العدد٣، ربيع الثاني١٤٣٥. ---^
- انظر:الإشراف لابن المنذر:٥/٣٤٤. ---^
- انظر:الإنصاف:٩/٣٦٠. ---^
- انظر:تفسير السعدي، ص: ١٠٤. ---^
- انظر:تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:١/٦٣٤. ---^
- انظر:كشاف القناع:٥/٤٦٣. ---^
- انظر:حاشية ابن عابدين:٣/٥٧٤. ---^
- انظر:الأم، للشافعي:٥/٥٤، الكافي، لابن عبدالبر:٢/٦٢٧. ---^
- أخرجه أبو داود في سننه،كتاب الطلاق، باب في نفقة المبتوتة، ح٢٢٩٠، وأخرجه مسلم في صحيحه،كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها،ح١٤٨٠،باختلاف يسير. ---^
- أخرجه مسلم في صحيحه،كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، ح١٤٨٠. ---^
- انظر:أحكام القرآن للجصاص:٥/٣٥٥، تفسير القرطبي:١٨/١٦٧، الإحكام في تفسير آيات الأحكام:٣/٣٧٨. ---^
- إعلام الموقعين:٣/٣٧٨. ---^
- انظر:تفسير القرآن العظيم،لابن كثير:٨/١٥٣. ---^
- انظر:القاعدة الذهبية في المعاملات الإسلامية لا ضرر ولا ضرار، ص : ٣٨. ---^
- أخرجه:مالك في الموطأ٢/١١٥،عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا، وأخرجه الحاكم في المستدرك٢/٥٨، والبيهقي٦/٦٩، والدارقطني٢/٧٧ من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٥٥، ح ٢٨٦٥، وابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ، ح٢٣٤١ من حديث ابن عباس، وأخرجه أيضًا أحمد٥/٣٢٦، وابن ماجه:ح٢٣٤٠، من حديث عبادة بن الصامت. كما جاء من حديث غيرهم، وله طرق يتقوى بها، وصححه الألباني في إرواء الغليل:ح ٨٨٨، والسلسلة الصحيحة:ح٢٥٠. ---^
- ومن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم :" اللهم إنّي أُحَرّج حقّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة". أخرجه: ابن ماجة في سننه،كتاب الأدب، باب حق اليتيم، ح ٣٦٧٨، وأحمد في مسنده، ١٥/ ٤١٦، ح ٩٦٦٦، وابن حبان في صحيحه، ح ٥٥٦٥. وهو في صحيح الجامع، ح ٢٤٤٧. وقوله: "أُحرّج"، قال السندي: من التحريج، بمعنى التضييق، أي: أضيقه وأحرمه على من ظلمهما، ولعل المراد بيان التشديد في حقهما والتغليظ. ---^
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير:١/٦٢٩. ---^
- تفسير القرآن العظيم لابن كثير:٨/١٥٣. ---^
- انظر:التحرير والتنوير:٢٨/٣٢٧. ---^
- انظر:الوسيط في التفسير:١/٥٢٧. ---^
- انظر: لسان العرب: ٤/ ٤٨٢. ---^
- انظر:النشر في القراءات العشر:٢/٢٢٧.علل القرءات للأزهري ص٨١. ---^
- انظر:حاشية الجمل على الجلالين:١/١٨٩، الوسيط في التفسير:١/٥٣٠. ---^
- سبق تخريجه حاشية ٥٤. ---^
- أخرجه:أبو داود في سننه،كتاب الأقضية، باب من القضاء، ح٣٦٣٥، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الخيانة والغش،ح١٩٤٠، وابن ماجة في سننه،كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر جاره، ح٢٣٤٢، من حديث مالك بن قيس أبي صرمة المزني، وحسنه الألباني في الإرواء، ح: ٨٩٦ . ---^
- انظر:تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:١/٦٣٤. ---^
- انظر:الوسيط : ١/ ٥٣٠. ---^
- أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه،ح ٥٢. ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب من أخذ الحلال وترك الشبهات،ح ١٥٩٩. ---^
- انظر:المغني:٧/٢٤. ---^
- انظر:تفسير القرطبي:٣/١٥٨. جامع المسائل لابن تيمية:١/٤١٩. ---^
- انظر:تفسير العثيمين سورة الفاتحة والبقرة:١/١٣٥. ---^
- أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب النكاح، باب من قال : لا نكاح إلا بولي،ح: ٥١٣٠. ---^
- فتح الباري:٩/١٨٨. ---^
- مجموع الفتاوى:٣٢/٥٢. ---^
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح ، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ح ٢٦٩٧، ومسلم في صحيحه،كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد المحدثات، ح ١٧١٨.واللفظ له. ---^
- أخرجه البخاري، في صحيحه،كتاب تفسير القرآن، سورة الطلاق، ح ٤٩٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، ح١٤٧١، واللفظ له. ومسألة وقع طلاق الحائض من عدمه، من أصعب مسائل الطَّلاق إن لم تكن أصعب مسألة فيه، وهي من المسائل الكبار التي وقع الخلاف فيها. وابن القيم حين تكلم على المسألة وبحثها، ختم كلامه بقوله:" هذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة الضيقة المعترك، الوعرة المسلك التي يتجاذب أعنة أدلتها الفرسان، وتتضاءل لدى صولتها شجاعة الشجعان". انظر:زاد المعاد:٥/٢٤٠. ---^
- انظر:التفسير الوسيط:١/٥٠٨. ---^
- التحرير والتنوير:٢٨/٢٩٨. ---^
- أخرجه أبو داود في سننه،كتاب الطلاق، باب في عدة المطلقة،ح٢٢٨١، وابن أبي حاتم في تفسيره رقم٢١٨٦،وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح١٩٧٣. ---^
- انظر:التفسير الوسيط١/٥١٩. ---^
- انظر:الشرح الممتع ، للعثيمين:١٣/١٨٩. ---^
- انظر:الاستذكار: ٦/ ١٦٥، المغني: ٨/ ٢٣٣، أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٦٠٧. ---^
- الأم للشافعي: ٥/ ٢٥٣. ---^
- التحرير والتنوير:٢٨/٢٩٩. ---^
- تفسير السعدي، ص:٨٦٩. ---^
- انظر:تفسير سورة الفاتحة والبقرة، للعثيمين:١/١٤٩. ---^
- التحرير والتنوير:٢٨/٣٠٤. ---^
- انظر:تفسير القرطبي :١٨/١٥٤. ---^
- انظر:النشر في القراءات العشر:٢/٢٢٨. ---^
- المراد بالمسيس: الجماع. ---^
- انظر:تفسير السعدي، ص:١٠٥. ---^
- انظر:تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٠٣. ---^
- تفسير سورة القرآن العظيم، لابن كثر:٦/٤٤١. ---^
- انظر:تفسير سورة الفاتحة والبقرة، للعثيمين:١/١٨٩. ---^
- تفسير السعدي، ص:١٠٦. ---^
- تفسير القرطبي:٢/ ٣٨٧. ---^
- انظر:الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي:٣/٢٠٠، المغني، لابن قدامة:٨/٤٧، مجموع الفتاوى، لابن تيمية:٢٧/٣٢، الإحكام في تفسير آيات الأحكام:٣/٢٧٠. ---^
- انظر:أضواء البيان، للشنقيطي:١/١٥١. ---^
- اسم للمرأة، نسبة لابن الجون الكندي. ---^
- الرازقية: ثياب كتان بيض. انظر:النهاية في غريب الحديث:٢/٢١٩. ---^
- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب من طلق وهل يواجه امرأته بالطلاق، ح ٥٢٥٥. ---^
- انظر:تفسير القرآن العظيم لابن كثير:٦/٤٤١. ---^
- المغني:٨/٩٤. ---^
- الإجماع:ص:٩٤، مسألة ٤٠٢. ---^
- الإجماع:ص: ٩٤، مسألة ٣٩٧. ---^
- تفسير السعدي،ص:١٠١. ---^
- انظر: تفسير القرطبي:٣/١٢٣. ---^
- انظر: تفسير الكشاف١/٢٧٦. ---^
- تفسير سورة الفاتحة والبقرة، للعثيمين:١/١١٦. ---^
- انظر:ص٢٥ ---^
- انظر:ص٢٧ ---^
- لم أعتبر في الترتيب (أل) التعريف. والفهرس مرتب على حروف المعجم، وبدأت بأجل الكتب القرآن الكريم. و(ت): اختصار:تحقيق، و(ط): اختصار الطبعة. ---^