بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل الكتاب هدى للناس، وأمر بالتفكر والتبصر، ونهى عن الغلو والجهل والتعصب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد أصبح الأمن الفكري من أبرز القضايا التي تُعنى بها المجتمعات المسلمة في هذا العصر؛ لما لها من أثر بالغ في حفظ العقيدة، واستقرار الفكر، وتحقيق الوسطية، ومواجهة موجات الغلو والتطرف والانحراف.
ولا شك أن جذور هذه التحديات الفكرية ليست طارئة على الأمة الإسلامية، بل تنبّه لها العلماء عبر العصور، وكتبوا عنها وحذّروا من مظاهرها ومآلاتها.
ومن هؤلاء العلماء البارزين الإمام ابن قيم الجوزية، الذي وقف بعمق تحليلي وتأصيلي أمام أهم مهددات الفكر السليم، ورأى فيها منبع الانحرافات العقدية والسلوكية التي تؤدي إلى فساد التصور والفهم، وهي بالتالي تشكل معول هدم للفرد والمجتمع.
مشكلة البحث:
تكمن في قلة الدراسات العلمية المستقلة التي تناولت جهود علماء المنهج السلفي في قضايا الفكر وأمنه، على الرغم من كون مؤلفاتهم تزخر بتأصيل شرعي ورؤية متكاملة في حماية الفكر من الانحراف وضبط منطلقاته وحدوده؛ مما أوجد فجوة علمية استدعى معها دراسة هذه الجهود وإبراز معالمها.
أهمية البحث:
تتجلى أهمية البحث في كونه يعيد قراءة تراث الإمام ابن القيم من منظور معاصر، فهو يكشف عن مدى عمق معالجته لواحدة من أخطر القضايا الفكرية، التي تهدد استقرار المجتمعات الإسلامية، وهي المهددات الفكرية، التي باتت تفت في عضد الأمة الإسلامية.
أسئلة البحث:
يجيب البحث عن سؤال رئيس وهو:
ما مهددات الأمن الفكري التي تناولها ابن القيم في كتبه ومؤلفاته؟
أهداف البحث:
يسعى البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها:
١ -التعريف بالأمن الفكري ومهدداته.
٢-بيان خطورة كل مهدد من مهددات الأمن الفكري بالأدلة الشرعية.
٣-استنباط مهددات الأمن الفكري عند ابن القيم من خلال تتبّع كتبه ومؤلفاته.
الدراسات السابقة:
بعد التتبع في المظّان المختلفة والمحتملة وقفت على بعض الدراسات لها مسيس صلة بالموضوع وهي:
١-العقل والتربية العقلية والفكرية عند ابن قيم الجوزية:
للباحث: هلاوي سعيد، وهو بحث محكم ومنشور في مجلة الإحياء، العدد: (١٧)، عام: (٢٠٠١م).
تناول الباحث موضوع العقل من خلال ست مباحث وهي: في شرف العقل وفضله، ومعاني العقل وحقيقته، ومحل العقل ومصدره، والتفكير المحمود والتفكير المذموم، وتعداد أشكال التفكير السليم تليها آفات العقل.
٢- أثر الجهل والهوى على تفكير المسلم من خلال مؤلفات ابن القيم:
للباحث: عبد الرحمن ربعين، وهو بحث محكم ومنشور في مجلة العلوم الإسلامية الدولية، العدد: (٣)، المجلد: (٦)، عام: (٢٠٢٢م).
ويركز البحث على جانب من جوانب التفكير عند الإمام ابن القيم وهو المتعلق بآفات التفكير التي تؤثر سلبا على عقل الإنسان، وتوصل الباحث بعد تتبع لمؤلفات ابن القيم إلى آفتين رئيستين: الأولى آفة الجهل، والثانية آفة الهوى، وأوضح كيف عالج هاتين الآفتين وبينهما من خلال مؤلفاته وكتبه.
٣- مقومات الأمن الفكري لدى الإمام ابن القيم-دراسة تأصيلية:
للباحثة: ندى الزهراني، وهو بحث محكم ومنشور في مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية العدد: (٦)، المجلد: (٢١)، عام: (٢٠٢٤م).
وقد تناولت الباحثة مقومات الأمن الفكري المتمثلة في الاعتصام بالكتاب والسنة، والسمع والطاعة لولاة الأمر، والوسطية والاعتدال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك وفقًا لما ورد في مؤلفات ابن القيم.
-ما يضيفه البحث:
١- الجمع بين الأصالة والمعاصرة من خلال تناول موضوع الأمن الفكري ومهدداته في ضوء تراث ابن القيم، وربطه بالقضايا الفكرية المعاصرة؛ مما يمنح البحث بُعدًا علميًّا مزدوجًا يجمع بين العمق التراثي والحسّ الواقعي.
٢-تسليط الضوء على المهددات الفكرية التي تناولها ابن القيم، واستخراجها من مؤلفاته المتنوعة، بما يساهم في بناء تصور علمي دقيق لمفهوم المهددات الفكرية في ضوء فكره.
٣- الكشف عن الوسائل والأساليب الشرعية التي أشار إليها ابن القيم في مواجهة تلك المهددات، وبيان فاعليتها في حماية الأمن الفكري وصيانة العقل المسلم من الانحرافات العقدية والفكرية.
٤-الإسهام في إثراء الدراسات الفكرية المعاصرة من خلال إعادة قراءة تراث ابن القيم في ضوء مفهوم الأمن الفكري، واستجلاء رؤيته في معالجة الانحرافات الفكرية بأسلوب علمي رصين.
حدود البحث:
يقتصر البحث على دراسة المهددات الفكرية، مع قصر التتبع والاستقراء لما هو وارد في كتب ومؤلفات ابن القيم حيال هذا الموضوع.
منهج البحث:
تقتضي طبيعة البحث استخدام عدد من المناهج البحثية، أهمها:
١-المنهج التأصيلي: وهو رد المسائل إلى أصلها ودليلها الشرعي١، وذلك من خلال إقامة موضوعات البحث ومسائله وفقاً لما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة.
٢-المنهج الاستنباطي: وهو استخراج المعاني وإظهارها من خلال النصوص٢، وتتمثل في بذل الجهد العقلي للكشف عن مهددات الأمن الفكري في مؤلفات ابن القيم.
٣-المنهج التحليلي:
يقوم على دراسة الإشكالات العلمية المختلفة تفكيكًا وتركيبًا، فإذا كانت الإشكالات متعلقة بالتراث أو الفكر الإسلامي المعاصر قام المنهج التحليلي بتفكيكها وإرجاع العناصر إلى أصولها٣.
خطة البحث:
يتكون البحث من مقدمة، وتمهيد، وأربعة مباحث، وخاتمة.
المقدمة وتشمل: (مشكلة البحث، وأهمية البحث، وأسئلة البحث، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وما يضيفه البحث، وحدود البحث، ومنهج البحث).
التمهيد ويشمل:
-التعريف بالمهدد.
-التعريف بالأمن الفكري.
-التعريف بالإمام ابن القيم.
المبحث الأول: الجهل وأثره على الأمن الفكري، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بالجهل، والتأصيل الشرعي له.
المطلب الثاني: الجهل عند ابن القيم.
المبحث الثاني: الغلو وأثره على الأمن الفكري، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بالغلو، والتأصيل الشرعي له.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن القيم.
المبحث الثالث: التقليد والتعصب وأثرهما على الأمن الفكري، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بالتقليد والتعصب، والتأصيل الشرعي لهما.
المطلب الثاني: التقليد والتعصب عند ابن القيم.
المبحث الرابع: اتباع الهوى وأثره على الأمن الفكري، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف باتباع الهوى، والتأصيل الشرعي له.
المطلب الثاني: اتباع الهوى عند ابن القيم.
الخاتمة: وفيها أبرز النتائج والتوصيات.
التمهيـــــــــــــــد
أولاً- التعريف بالمهدد:
لما كانت الدراسة تُعنى باستنباط مهددات الأمن الفكري، فإنه يجدر التعريف بالمهدد في اللغة والاصطلاح:
-في اللغة: أصل الكلمة في لغة العرب مأخوذة من الفعل الثلاثي: "هدَّدَ" يهدِّد، تهديدًا، فهو مُهدِّد، والمفعول مُهدَّد، وهَدَّ البناءَ يَهُدُّهُ هَدًّا: كسره وضعضعه، وهَدَّته المصيبة، أي أوهنت ركنه٤.
-في الاصطلاح: هو التوعّد بالشيء، يقال هدَّد فلانًا: أي خوَّفه، وهدَّد سلامتَه، وتوعده بالإيقاع به٥، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ﴾ [يونس:٤٦].
وعليه فإن المراد بالمهدد في هذه الدراسة هو: كل ما من شأنه تشكيل خطر على سلامة الفكر وأمنه، وزعزعة استقراره، والحياد به عن طريق التوسط والاعتدال إلى مهاوي الردى والانحراف.
ثانيًا- التعريف بالأمن الفكري:
يتكون مفهوم الأمن الفكري من مصطلحين متباينين، ولكل واحد منهما معنى دلالات خاصة به، وهما:
١-مفهوم الأمــــــــن:
-في اللغة: "الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها: سكون القلب"٦.
وقيل: "الأمْنُ: ضد الخوف والفعل منه: أمِنَ يأْمَنُ أمْناً"٧، قال تعالى: ﴿إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١﴾ [الأنفال:١١].
- في الاصطلاح: تتعدد معاني الأمن في الاصطلاح، ومن أبرزها:
١-هو "عدم توقع مكروه في الزمن القادم"٨.
٢-ويمكن تعريفه بأنه: "حالة يكون عليها الإنسان واثقًا مستقرًا، لا يخشى خيانة، ولا ينتابه خوف ولا قلق في جميع مناحي الحياة"٩.
٢-مفهوم الفكـــــــر:
-في اللغة: هو تردُّدُ القَلْب في الشَّيء، يقال: تفكّرَ إذا ردَّدَ قلبه معتبِراً، ورجلٌ فِكِّير: كثير الفِكر١٠. وقيل: "هو إعمالُ النَّظر في الشيء"١١، ومنه قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤﴾ [يونس:٢٤].
ويقال: فكّر في الأمر أي: أعمل العقل فيه ورتّب بعض ما يعلم ليصل به إلى معرفة مجهول١٢.
كما تأتي بمعنى: الحاجة تقول: "لا فكر لي في هذا، إذا لم تحتج إليه ولم تبال به"١٣.
-في الاصطلاح: تعددت دلالات الفكر، ومن أبرزها:
١-"جملة ما يتعلق بمخزون الذاكرة الإنسانية من الثقافات والقيم والمبادئ الأخلاقية، التي يتغذى بها الإنسان من المجتمع الذي ينشأ فيه ويعيش بين أفراده"١٤.
٢- وقيل هو: "جملة النشاط الذهني وأسمى صور العمل الذهني، بما فيه من تحليل وتركيب وتنسيق"١٥.
وجملة القول: أن الفكر اصطلاحاً هو عمل العقل ونتاجه.
٣-مفهوم الأمن الفكري:
يعد مفهوم الأمن الفكري من المفاهيم المعاصرة التي لم يرد استعمالها بهذا اللفظ في التراث الإسلامي، غير أن مضامينه ومقاصده العامة متجذرة في الشريعة الإسلامية وتتجلى في عنايتها بحفظ الدين والعقل وصيانة الفكر من الانحراف.
ونظراً لحداثة هذا المصطلح نسبياً، فقد اختلفت اتجاهات الباحثين وتعددت تعريفاتهم له، وتباينت صياغاتهم في تحديد دلالته ومجاله، حيث عُرِّف الأمن الفكري بتعريفات متعددة تعكس تنوع الرؤى في ضبط مفهومه وبيان حدوده، ومنها:
١-"حماية عقول أفراد المجتمع من كل فكر شائب ومعتقد خاطئ يتعارض مع العقيدة والمبادئ التي يدين بها المجتمع، وبذل الجهود من كل مؤسسات المجتمع من أجل تحقيق هذه الحماية"١٦.
٢-هو أن يعيش الناس في بلادهم ووطنهم وبين مجتمعهم وهم يشعرون بالأمن تجاه ثقافتهم المجتمعية، ومنظومتهم الفكرية١٧.
وبالتأمل في مصطلح (الأمن الفكري) من حيث مقتضياته وما يمكن أن يترتب عليه في المجتمع المسلم وما انتهى إليه الباحثون في تعريفهم للأمن الفكري، يمكن أن يقال: أنه يسعى إلى تحقيق الحماية التامة لفكر الإنسان من الانحراف أو الخروج عن الوسطية والاعتدال، كما أنه يُعنى بحماية المنظومة العقدية والثقافية والأخلاقية والأمنية في مواجهة كل فكر أو معتقد منحرف أو متطرف وما ينتج عنه من سلوك١٨.
ونظراً لأهمية قضية العقل والفكر، فقد حظيت بعناية بالغة في الشرائع السماوية كافة، كما أنها تُعد من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها وصيانتها، وقد تعاظمت هذه العناية عبر العصور، فاشتغل العلماء والمفكرون ببيان سبل تحصين الفكر وحمايته مما يخل به أو يوقعه في الانحراف والاضطراب.
ومن أبرز هؤلاء العلماء الإمام ابن القيم -رحمه الله- الذي أولى قضية العقل عناية خاصة، حيث يقرر أن العقل "آلة كل علم، وميزانه الذي يُعرف به صحيحُه من سقيمه، وراجحه من مرجوحه، وهو المرآة التي يُدرك بها الحسن والقبيح"١٩، كما يبين مكانته في بنية الإنسان بقوله: "العقل ملك، والبدن حارسُه، وحركاته كلها رعية له"٢٠، وهو ما يعكس إدراكه العميق لدور العقل في بناء التصورات وضبط السلوك وتوجيه الفكر.
ثالثًا-التعريف بالإمام ابن القيم:
-اسمه ونسبه: هو محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي، أبو عبد الله شمس الدين، المعروف بابن قيم الجوزية، واشتهر بهذا اللقب حيث إن والده كان قيمًا على المدرسة الجوزية بدمشق٢١.
-مولده ونشأته: ولد الإمام ابن القيم سنة (٦٩١هـ)، ولا يعرف مسقط رأسه٢٢.
وقد نشأ وترعرع في بيت فضل وعلم، فقد كان أبوه صالحًا عابدًا عالمًا٢٣، وكان له اثنين من الأبناء عبد الله وإبراهيم، وعرف عن كلاهما طلب العلم والنبوغ فيه٢٤.
-شيوخه وتلاميذه: تميّز الإمام ابن القيم بتبحّره في عدد من العلوم الشرعية والمعارف الإسلامية، حتى غدا من أبرز علماء عصره وأكثرهم تأثيرًا في ميادين العلم والتأليف، وقد أسهم في تكوينه العلمي تلقيه العلم على أيدي نخبة من العلماء الأجلاء، وفي مقدمتهم والده، الذي أخذ عنه علم الفرائض، كما لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأفاد منه إفادة عظيمة في علوم الحديث والتفسير وأصول الفقه وغيرها من العلوم، الأمر الذي كان له أثر بالغ في تشكيل شخصيته العلمية وصقل منهجه الفكري٢٥، ولم يقتصر دور الإمام ابن القيم على تلقي العلم والإفادة منه فحسب، بل امتد إلى التعليم والتربية، حيث تتلمذ على يديه عدد من طلاب العلم الذين أفادوا من علمه ومنهجه، وأسهموا في نشر آرائه وتراثه العلمي. ومن أبرز تلاميذه الحافظ ابن كثير، وابن رجب الحنبلي، وغيرهما من العلماء الذين كان لهم دور بارز في خدمة العلوم الشرعية ونقل نتاجه العلمي ونشره٢٦.
-مؤلفاته: خلّف الإمام ابن القيم تراثًا علميًا ثريًا وإرثًا فكريًا واسعًا، تجلّى في كثرة مؤلفاته وتنوع موضوعاتها، الأمر الذي يعكس سعة علمه، وعمق معرفته، وتنوع اهتماماته العلمية.
وقد أسهمت هذه المؤلفات في إثراء المكتبة الإسلامية، وأصبحت من المصادر العلمية المعتمدة لدى الباحثين وطلاب العلم، ومن أبرز هذه المؤلفات: إعلام الموقعين عن رب العالمين، زاد المعاد في هدي خير العباد، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، مفتاح دار السعادة وغيرها الكثير والكثير من المؤلفات؛ حيث نُسب إليه ما يقارب مئة مصنف تناولت مختلف العلوم الشرعية والفنون الإسلامية٢٧.
-وفاته:
توفي الإمام ابن قيم الجوزية سنة (٧٥١هـ) عن عمر ناهز الستين عامًا، أمضاها في طلب العلم وتحصيله، وتعليمه ونشره، والتصنيف والتأليف في مختلف العلوم الشرعية. وقد خلّف تراثًا علميًا وفكريًا ثريًا اتسم بالعمق والأصالة، ولا تزال مؤلفاته إلى يومنا هذا محل عناية الباحثين وطلاب العلم، يستمدون منها العلم والفهم، ويستفيدون من منهجه في التأصيل والاستدلال ومعالجة القضايا العلمية والفكرية ٢٨.
المبحث الأول: الجهل وأثره على الأمن الفكري
المطلب الأول: التعريف بالجهل، والتأصيل الشرعي له
-التعريف بالجهل:
-في اللغة:
جهل يجهل جهلا "والجهل نقيض العلم"٢٩، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦﴾ [هود: ٤٦].
كما أن "الجهل نقيض الحلم" ٣٠، ومنه قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ٣١
-في الاصطلاح:
للجهل تعريفات متعددة منها:
١-"اعتقاد الشيء خلاف ما هو عليه"٣٢.
٢- "عدم العلم عما من شأنه العلم"٣٣.
٣-"فعلُ الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أم فاسدًا"٣٤.
وقد جاء التعبير عن الجهل في القرآن الكريم بهذه اللفظة المباشرة، وباشتقاقاتها المتعددة ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩﴾ [النحل:١١٩]، ومنه قوله: ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢﴾ [الأحزاب:٧٢].
كما جاء التعبير عن الجهل بألفاظ متقاربة متقابلة تدل في جملتها على انتفاء العلم عن حقيقة الشيء وكنهه، مع عدم إدراك الشيء إدراكا تًاما صحيحًا وفقًا لما هو عليه في الحقيقة والواقع، وبيانه في الآتي:
أ-ما ورد للدلالة على نفي العلم:
فإذا انتفى العلم فقد تحقق الجهل ومثاله قوله تعالى: ﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤﴾ [الأنبياء:٢٤].
ب- ماورد للدلالة على نفي الدراية:
فإن الدراية مرادفة للعلم فإذا انتفت الدراية فقد انتفى العلم ولا بد، ومنه قوله تعالى: ﴿ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ ...﴾ [النساء:١١].
ج-ما ورد للدلالة على الإنكار:
"الإنكار: ضد العرفان. يقال: أنكرت كذا، ونكرت، وأصله أن يرد على القلب ما لا يتصوره، وذلك ضرب من الجهل"٣٥ ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨﴾ [يوسف: ٥٨].
الجدير بالذكر أن الآيات القرآنية المرتبطة بموضوع الجهل يضيق المقام عن حصرها وذلك أن هناك عدد من آيات القرآن الكريم لها ارتباط وثيق بالجهل والجهالة وعدم العلم والمعرفة والدراية وهي: الآيات التي دلت في معناها على الضلال والضلالة والعمه والتيه والظن والباطل٣٦.
كما جاءت السنة النبوية مؤكدةً على خطورة الجهل ومحذّرةً من آثاره، وداعيةً إلى محاربته ونبذه في الأقوال والأفعال والمعتقدات؛ لما يترتب عليه من فساد في التصورات وانحراف في السلوك.
وقد بلغت عناية السنة بهذا الأمر حدَّ اعتبار انتشار الجهل وذهاب العلم من علامات اقتراب الساعة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويثبت الجهل، ويُشرب الخمر، ويظهر الزنا)٣٧.
ويدل هذا الحديث على ما للعلم من أثر في صلاح الأفراد والمجتمعات، وما يترتب على غيابه من انتشار مظاهر الانحراف والفساد، الأمر الذي يبرز خطورة الجهل بوصفه أحد أبرز المهددات التي تمس استقامة الفكر وسلامة السلوك.
وقد استعاذ منه النبي ﷺ في دعائه، ففي الحديث أن أم سلمة قالت: (ما خرج النبي ﷺ من بيتي قط، إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أّضِلَّ أو أُضَل، أو أَزِلَّ أو أُزَل، أو أَظْلِم أو أُظْلَم، أو أَجْهَل أو يُجْهَل عَلَيَّ)٣٨.
أي: لا أتعامل مع الناس معاملة الجهال القائمة على الإيذاء والاعتداء، كما يحتمل أن يكون المراد بالجهل هنا ما كانت عليه العرب في الجاهلية قبل الإسلام من الانحراف عن هدي الشرع، وما صاحب ذلك من التفاخر بالأنساب، والتعاظم بالأحساب، والتكبر والبغي وسائر الأخلاق والممارسات التي جاء الإسلام بإبطالها، وعليه، فإن الجهل في هذا السياق لا يقتصر على مجرد عدم العلم، بل يشمل كل سلوك أو اعتقاد يخالف مقتضى الشرع ويجافي مكارم الأخلاق٣٩.
والمتتبع للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في موضوع الجهل يلحظ أنها لا تقتصر على بيان حقيقته أو ذمِّه فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إبراز ما يترتب عليه من نتائج وآثار في واقع الأفراد والمجتمعات، ويتصل هذا المعنى بما عبّر عنه الأصوليون بمآلات الأفعال٤٠، وهو النظر إلى ما تؤول إليه التصرفات والأعمال من مصالح تُجلب أو مفاسد تُدرأ، الأمر الذي يكشف عن ارتباط التحذير الشرعي من الجهل بما يفضي إليه من انحراف في الفكر، وفساد في السلوك، واختلال في أحوال الأفراد والمجتمعات.
المطلب الثاني: الجهل عند ابن القيم
يُعدّ الجهل من أبرز المهددات التي تتسلل إلى منظومة الأمن الفكري، فيزعزع أركانها من الداخل، ويجعل الفرد، بل الجماعة بأسرها عرضة للانحرافات في الفهم والتصور والسلوك.
وإذا كان الأمن الفكري قائمًا في جوهره على صحة المعرفة، وسلامة التصور، ووضوح الاستدلال؛ فإن الجهل يُقوّض هذه الأسس الثلاثة من أصلها، فيولد عنه فكر منحرف، وعقيدة فاسدة، وسلوك غير منضبط، مما يُحدث خللًا في الأمن بكافة صوره وأشكاله، ذلك أن الجهل يعد من أعظم الأسباب التي تجلب التشتت والخوف مما يترتب عليه الانحراف عن جادة الهدى والصواب، والعيش في تيه وضلال وظلمات.
وقد أدرك الأئمة الأعلام هذا الخطر العظيم الذي يهدد فكر المسلم الآمن، فتناولوه في مواضع كثيرة من كتبهم، وبيّنوه وأوضحوه، وكشفوا عنه اللثام، واستفاضوا في ذكره لعظيم أثره وضرره، فهذا الإمام ابن القيم يذكر الجهل في مواضع عدة من كتبه ومؤلفاته، فتارة يعرض الجهل معضدًا بدليله من آي القرآن الكريم التي كثيرًا ما كان يرد فيها هذا المهدد على سبيل الذم فيقول -رحمه الله-: "أنه سبحانه ذم أهل الجهل في مواضع كثيرة من كتابه فقال تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١﴾ [الأنعام: ١١١]، وقال: ﴿...وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧﴾ [الأنعام: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤﴾ [الفرقان: ٤٤] ، فلم يقتصر سبحانه على تشبيه الجهال بالأنعام حتى جعلهم أضل سبيلاً منهم ... وليس على دين الرسل أضر من الجهال، بل أعداؤهم على الحقيقة.
وقال تعالى لنبيه وقد أعاذه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقال كليمه موسى: ﴿أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال لأول رسله نوح:﴿إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦﴾ [هود: ٤٦] فهذه حال الجاهلين عنده"٤١.
وتارة يعرض هذا المهدد بذكر أنواعه، ويبان كل نوع منهما على حدة فالنوع الأول عنده الجهل البسيط والذي يقصد به خلو الذهن من المعرفة، دون أن يكون مشوشًا باعتقاد مضاد، وهذا غالبًا ما يكون صاحبه أقرب إلى طلب العلم والحق.
أما الثاني فهو الجهل المركب، وهو حال من يعتنق المعتقدات الباطلة ويظن أنها حق، فلا يشعر بالحاجة إلى التعلم، بل يعارض الحق إذا عُرض عليه، لظنه أنه على صواب٤٢.
كما بين أهل كل قسم من الأقسام بعبارة واضحة فصيحة البيان مقرونة بالمثال لتقريب المعنى للأذهان فقال: "كل من أخبر بخلاف ما أخبر به الرسول عن شيء من أمر الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، واليوم الآخر أو غير ذلك، فقد ناقضه وعارضه سواء اعتقد ذلك بجنانه أو قاله بلسانه أو كتبه ببنانه وهذا حال أهل الجهل المركب، ومن أعرض عما جاء به الرسول ولم يعرفه ولم يتبينه، ولا عارضه بمعقول أو رأي، فهو من أهل الجهل البسيط"٤٣.
وقال في موضع آخر بتعبير مجمل: "الجهل نوعان: عدم العلم بالحق النافع، وعدم العمل بموجبه ومقتضاه، فكلاهما جهل لغة وعرفا وشرعا وحقيقة، قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٦٧﴾[البقرة: ٦٧]"٤٤.
وتارةً يكشف ابن القيم عن طبيعة هذا المهدد وما يترتب عليه من آثار، منطلقًا من كونه آفةً تتجاوز مجرد القصور المعرفي إلى التأثير في البنية النفسية والإدراكية للإنسان؛ فهو بمنزلة المرض الذي يؤلم النفس ويؤذيها كما تؤذيها سائر الآفات، بل يُعد من أشد الآلام المعنوية أثرًا؛ لما يُحدثه من خلل في الإدراك والفهم، وما يترتب على ذلك من اضطراب في التصورات واختلال في المواقف والسلوك، فيقول -رحمه الله- في هذا المعنى: إن الجهل يُعدّ آفةً من أعظم الآفات، ومرضًا يُصيب العقل والروح، لما فيه من نقص وحرمان وإيذاء للنفس. ومن لا يتألم من أثره، ولا يشعر بضرره، فذلك علامة على تعطّل إحساسه وبلادة شعوره٤٥.
ولعلّ أعظم ما يُفهم من هذا النص أنّ خطورة الجهل لا تقف عند حدّ الجهل نفسه، بل في أن المبتلى به قد يفقد الإحساس بكونه مريضًا، فإذا تعطلت الحواس الفكرية، عَجز صاحبها عن الوعي بمصابه، واستمرّ في انحرافه دون أن يشعر بالخطر، كما لا يشعر الميت بالألم.
وهذا المعنى له صلة وثيقة بـتهديد الفكر الآمن، إذ إن أخطر ما يواجه هذا النوع من الأمن ليس الجهل الظاهر الذي يُستدرك، بل الجهل المغلّف الذي لا يدرك.
و إنما يُعلم صاحبه الذي يتزامن مع جهله بالضرورة حالة من التخبط والتيه، والشقاوة في النفس، والتعاسة في القلب، حيث يقول ابن القيم -رحمه الله- في تعقيبه وبيانه لقول النبي ﷺ: (إنما الدنيا لأربعة نفر، عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فوزرهما سواء)٤٦.
أن السعداء على صنفين يشتركان في تحقيق السعادة من خلال العلم وآثاره، وفي المقابل فإن الأشقياء كذلك صنفين يرجع سبب شقائهم إلى الجهل ونتائجه، وبهذا تُعزى السعادة كلّها إلى العلم وآثاره، في حين تعود الشقاوة كلّها إلى الجهل وما يثمره من ضلال وانحراف٤٧.
كما يكشف ابن القيم عن الوجه الأخطر للجهل، حين يتسلل إلى الإنسان وفكره في صورة وهم نافع ومصلحة متوهمة، فينقلب الجهل إلى ظلم، ويصبح صاحبه معول هدم لنفسه وهو يحسب أنه يحسن إليها حيث يقول -رحمه الله-: أن من مظاهر الجهل وظلم النفس أن يسلك الإنسان ما يضرّه وهو يظن أنه يحقق مصلحتها، فيسعى خلف ما يظنه كرامة وراحة لها، بينما هو في الحقيقة يسلبها سعادتها ويقصيها عن رضا الله ونعيمه، فيمنحها متعة زائلة فيها عناء وحسرة، ويحول بينها وبين لذّات حقيقية خالدة، وتكمن المفارقة في أن عدوه لا يبلغ بها من الأذى ما يبلغه هو بنفسه؛ إذ يسيء إليها بجهله، فيضيّع مصالحها الحقيقية، ويستبدل اللذة الدائمة بلذة زائلة منغّصة لا تكاد تختلف عن حلم عابر أو خيال منام، وهذا مآل من حُرم الهداية والرحمة ٤٨.
ومن هنا يظهر تلازم الجهل والظلم، حيث ينعدم الإدراك الصحيح لمصالح النفس ومنافعها، فتتبدل الموازين، وتُفضَّل اللذة العاجلة على السعادة الباقية، ويُضحّى بالحق من أجل الوهم.
وما يزيد الأمر خطرًا أن هذا الجاهل يتعامل مع نفسه كعدو خفي، يوقع بها الضرر باسم الرحمة، ويهينها باسم الإكرام، فيُعطيها بعض الشهوات، ويحرمها اللذات الحقيقية في القرب من الله، وهذا ذروة الخلل في التصور والسلوك معًا.
وهنا تتجلى الصلة الجوهرية بين هذا التصور ومفهوم الأمن الفكري؛ إذ إن أخطر ما يهدد الأمن الفكري هو انقلاب المفاهيم، حين يُظن الباطل حقًّا، والضلال هدى، والشقاء راحة، والضرر نفعًا.
وذلك لا يكون إلا حين تفقد النفس ارتباطها بالهداية الشرعية والمرجعية الصحيحة، وتستعيض عنها بمرجعيات مضطربة مشوشة مكونة من خليط من الأهواء والآراء المنبتة فلا أصل لها من شرع ولا عقل.
فالجهل إذا استحكم في النفس أفضى إلى اختلال التصورات والمعايير الحاكمة للأفكار والمواقف، مما يؤدي إلى قلب الحقائق واضطراب الأحكام؛ فيُنظر إلى الحسن على أنه قبيح، وإلى القبيح على أنه حسن، ويُتوهم النفع في موضع الضرر، والضرر في موضع النفع، وهو ما يعكس عمق الأثر الذي يتركه الجهل في بنية التفكير وسلامة الإدراك مما يؤكد على حقيقة مفادها أن الإنسان لا يفعل القبيح ولا يقع في السوء إلا لأمرين:
الأمر الأول: جهله بحقيقته، فلا يدرك قبحه أصلًا، وهو جهل صرف.
الأمر الثاني: علمه بقبحه لكن تغلبه شهوته وهواه، فيقع في الظلم.
وكذلك هو الحال في ترك الحسنات: إما لأنه لا يعلم أنها حسنة، أو لأنه يعلم ذلك لكن هواه يصرفه عنها.
يقول ابن القيم -رحمه الله-في هذا السياق: "وأما السيئات فمنشؤها من الجهل والظلم؛ فإن العبد لا يفعل القبيح إلا لعدم علمه بكونه قبيحًا، أو لهواه وشهوته مع علمه بقبحه، فالأول جهل والثاني ظلم، ولا يترك حسنة إلا لجهله بكونها حسنة، أو لرغبته في ضدها لموافقته هواه وغرضه.
وفي الحقيقة فالسيئات كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو كان علمه تامًّا برجحان ضررها لم يفعلها؛ فإن هذا خاصّة العقل"٤٩.
ومن هنا يمكن القول بأن كلا الطريقين يؤولان إلى الجهل في النهاية، لأن من غلبه هواه لو كان علمه تامًا بعاقبة السيئة وضررها لامتنع عنها، إذ لا أحد يختار الضرر المحض عن وعي وبصيرة.
وعليه يمكن القول بأن الجهل -بناء على رؤية ابن القيم- هو الجذر المعرفي والسلوكي للسيئات كلها، ذلك أن الجهل لا يُفسد المعرفة فحسب، بل يفسد الإرادة أيضًا، ويضعف البصيرة، فيصبح الإنسان آلةً لأهوائه، ومخدوعًا بباطله، ومأخوذًا بزيف الصورة دون حقيقتها.
ومن هذا المنظور، فإن الجهل يمثل التهديد الأخطر للأمن الفكري، لأنه:
ينتج عنه الانحراف في الحكم على التصورات والأفعال.
ويؤدي إلى تطبيع السيئات، والتقليل من خطرها.
ويفسد على صاحبه فقه المصالح والمفاسد، حتى يقبل على ما يهدم دينه وفكره وأمته، وهو يظن أنه محسن ومهتدٍ، وهذا المعنى يتسق تمامًا مع قوله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤].
فالجهل هنا لا يولّد سيئةً فحسب، بل يمنع صاحبها من رؤيتها على حقيقتها، فيقع الانفصام بين التصور والسلوك، وهو أخطر ما يُصيب العقل والفكر، ويهدد سلامته واستقراره.
وقد حذّر ابن القيم -حمه الله- من الجهل بوصفه أصل الانحراف في التصور والعمل، ومصدرًا رئيسًا لاضطراب الفكر وزيغ العقل، حتى جعله من أعظم المهددات التي تقوّض الأمن الفكري، وتوقع الإنسان في الشقاء والضلال، بل إنه من أعظم ما قد يفتك بالإنسان من جهة فكره، فيرديه قتيلا، ذلك أن حياة الإنسان الحقيقة تكمن في نور العلم واتباع الحق وقوة البصيرة، فيقول -رحمه الله- مبينًا هذا المعنى ومؤكداً عليه: "حياة العلم من موت الجهل، فإن الجهل موت لأصحابه، كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم فليس لهم حتى النشور نشور٥٠
فإن الجاهل ميت القلب والروح، وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض"٥١.
كما ذهب ابن القيم إلى أبعد من هذا في التحذير من هذا المهدد ببيان أن أثره وضرره لا يقتصر على الفرد في حياته الدنيوية الفانية، بل يطول شره الحياة الأخروية الباقية، فيقول-رحمه الله-: "ولا ريب أن الجهل أصل كل فساد وكل ضرر يلحق العبد في دنياه وأخراه فهو نتيجة الجهل"٥٢، فهو الجذر الأساس لكل أنواع الفساد والضرر التي تُصيب الإنسان في حياته الدنيا وفي آخرته؛ إذ إن ما يترتب عليه من انحرافات في التصور والعمل إنما هو ثمرة مباشرة لغياب العلم وهداية الحق.
إن ما سبق من أقوال ابن القيم في هذا المهدد تتقاطع مع مفهوم الأمن الفكري من حيث إن الجهل يشكّل ثغرة معرفية ومنهجية في العقل المسلم، تجعله متهيئًا لاعتناق الأفكار المتطرفة، أو الانسياق خلف شبهات فلسفية أو عقدية أو سلوكية، مما يؤدي إلى اضطراب التصور، وضياع المرجعية، وغياب الاعتدال.
الجدير بالذكر أن ابن القيم لم يتوقف عند تشخيص الجهل كمهدد، بل تجاوز ذلك إلى بيان سبل الوقاية والعلاج، الذي يكون بالاعتصام بهدي الكتاب والسنة و الرد إلى الله ورسوله ﷺ، لأن بهما يحصل العلم ويرفع الجهل، الأمر الذي يثمر العصمة من الخلل، والنجاة من الوقوع في الزلل؛ إذ أن مزالق العقل ومهاوي الفكر وما ينتج عنهما من شرور منبعه وأصله الجهل والإعراض عن مراد الله ورسوله ﷺ، والسلامة من ذلك إنما تكون بلزوم دين الله وشرعه القويم، فهو سبحانه أعلم بما يصلح لخلقه، وما يستقيم به أمر دينهم ودنياهم، ويعبر ابن القيم عن هذا المعنى بتعبير واضح فيقول: تتحقق سعادة الإنسان في دنياه وآخرته من خلال تمسكه بالأمرين العظيمين: الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة بدونهما. فالاتجاه إلى الله عز وجل يشبه السير في طريق نحو مقصد معين؛ لا بد فيه من أمرين: هداية الطريق، والسلامة من الأخطار. فبتمسك العبد بحبل الله يكون محفوظًا من التيه والانحراف، ويهتدي إلى الطريق القويم، بينما الاعتصام بالله عز وجل يمنحه القوة والعُدة التي تحميه من العوائق والمخاطر في الطريق، فيسير آمنًا واثقًا حتى يبلغ غايته٥٣.
ومن هنا يتبيّن أن الاعتصام بالوحي كتابا وسنة ليسا مجرد فضيلتين، يدفع بهما غائلة الجهل، بل هما ضرورة وجودية وفكرية، تمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الانحرافات العقدية، والضلالات الفكرية، وبغيرهما يضلّ السائر الطريق، ويهلك فيه قبل بلوغ المقصد.
"ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيلها إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره، وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق، والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة، فيعلمه ويعرفه، ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه، فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم، والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال"٥٤.
يقدّم ابن القيم في هذا النص معالجةً شاملة لمهدد الجهل، تقوم على الربط بين البعد المعرفي والبعد الإيماني في بناء الهداية الإنسانية. فالمعرفة بالحق وحدها لا تكفي ما لم تُقرن بإرادة صادقة وطلبٍ دائمٍ للتوفيق، وهو ما يجعل سؤال الهداية عنصرًا محوريًا في الوقاية من الانحراف الفكري.
ويُفهم من هذا التوجه أن الانحراف عن الصراط المستقيم لا ينشأ عن الجهل وحده، بل قد يتداخل معه عامل البغي الذي يمنع من اتباع الحق رغم العلم به، وبذلك يميز ابن القيم بين حالتين: انحرافٍ ناشئ عن قصور إدراكي، وآخر ناشئ عن فساد إرادة، ومن ثمّ تتجلى أهمية الجمع بين "معرفة الحق وإرادته"، بوصفهما ركنين أساسيين في الاستقامة الفكرية والسلوكية.
كما يكشف النص عن بعدٍ وقائي في التصور القيمي عند ابن القيم، إذ يجعل من دوام سؤال الهداية وسيلة مستمرة لتجديد الوعي وتصحيح المسار، بما يحقق التكامل بين العلم والعمل، ويحول دون الوقوع في مسالك المغضوب عليهم أو الضالين.
المبحث الثاني: الغلو وأثره على الأمن الفكري
المطلب الأول: التعريف بالغلو، والتأصيل الشرعي له
-التعريف بالغلو:
-في اللغة: هو ارتفاع في الشيء ومجاوزة الحد فيه ومنه غلوة السهم وهو أن يرمي به حيث ما بلغ غلا، وجمع الغلوة غلاء، وكل ما ارتفع فقد تغالى، ومنه اشتقاق الشيء الغالي٥٥، وغلا في الدين، والأمر يغلو غلوا جاوز حده فيه٥٦.
وعليه فالغلو يدل على الارتفاع والزيادة والمبالغة عن الحد المعتاد، وله مرادفات في لغة العرب، منها: التطرف والتشدد، والتنطّع.
-في الاصطلاح: عرف الغلو بتعريفات متعددة أبرزها:
١-"الغلو مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك"٥٧.
٢-وقيل: "المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد"٥٨، "وضابطه: تعدي ما أمر الله وهو الطغيان الذي نهى عنه في قوله: ﴿وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١﴾ [طه: ٨١]٥٩.
٣-وعبر عن هذا المصطلح الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله- بقوله: "مجاوزة الحد في التعبد والعمل والثناء، قدحًا أو مدحًا، وينقسم إلى أربعة أقسام: غلو في العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والعادات"٦٠.
وبالنظر فيما سبق من تعريفات في الاصطلاح يمكن القول: بأنها في جملتها لا تخرج عن المعنى اللغوي من حيث المجاوزة، والمبالغة، والزيادة، والتعدي.
وقد تظافرت النصوص الشرعية في النهي عن الغلو بشتى صوره وأشكاله ولاسيما الغلو في الدين، يقول تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ ...﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ...﴾ [المائدة: ٧٧].
كما ورد في كثير من الأحاديث النبوية ما يدل على النهي عن الغلو والتحذير منه بأساليب متعددة متنوعة منها أسلوب النهي والتحذير كما في قوله ﷺ: (أيها الناس إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)٦١، وقوله ﷺ: (هلك المتنطعون: قالها ثلاثًا)٦٢.
كما استخدم النبي ﷺ أسلوب الحوار والاقناع العقلي في معرض تحذيره من الغلو ومجاوزة الحد في التدين والتعبد وأظهرها ما رواه البخاري في صحيحه: (جاء ثلاثُ رهطٍ إلى بُيوتِ أزواجِ النبيِّ ﷺ، يَسأَلونَ عن عبادةِ النبيِّ ﷺ، فلما أُخبِروا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن منَ النبيِّ ﷺ؟ قد غفَر اللهُ له ما تقدَّم من ذَنْبِه وما تأخَّر، قال أحدُهم: أما أنا فإني أُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال آخَرُ: أنا أصومُ الدهرَ ولا أُفطِرُ، وقال آخَرُ: أنا أعتزِلُ النساءَ فلا أتزوَّجُ أبدًا، فجاء رسولُ اللهِ ﷺ فقال: (أنتمُ الذين قلتُم كذا وكذا؟ أما واللهِ إني لأخشاكم للهِ وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطِرُ، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوَّجُ النساءَ، فمَن رغِب عن سُنَّتي فليس مني)٦٣.
وللغلو صور متعددة ومظاهر مختلفة يمكن تصنيفها إلى فرعين رئيسيين:
-الغلو الاعتقادي:
وهو الذي يرجع إلى الأصول العقدية، ومنه ما حصل وكان من الخوارج وغلوهم في تكفير عصاة المسلمين، وهذا النوع هو الأشد خطرًا لعلتين:
الأولى: ما تؤول إلى عاقبته حيث مؤداه إلى الكفر والخروج من ربقة الإسلام، أو حصول أخف الضررين وهما الفسق والبدعة.
الثانية: ما ترجع إليه آثاره، حيث يمثل هذا النوع العامل الأبرز في ظهور الفرق والجماعات المفارقة للدين المنشقة عن جماعة المسلمين٦٤.
-الغلو العملي:
وهو المتعلق بالأحكام الجزئية، وهذا النوع يكون على جهتين:
الأولى: الابتداع في أصل لم يشرع.
الثاني: المبالغة في أداء ما شرع، وهذا النوع لا ينشأ عن عقيدة فاسدة، بل أساسه الفهم السقيم للدين القويم، وهو مذموم ومرفوض كذلك ٦٥.
المطلب الثاني: الغلو عند ابن القيم
إن من أخطر ما يهدد الأمن الفكري ويخلّ بتوازنه الغلو، الذي هو مجاوزة الحد المشروع في الاعتقاد أو القول أو العمل، وهو مهدد لا يقل خطرًا عن الجهل، بل قد يكون من نتائجه، فهو يُفضي إلى تصورات مشوّهة، وأحكام جائرة، ومواقف متطرفة، وسلوكيات منحرفة، تُناقض في أصلها روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ذلك بأن الله وصف ديننا باليسر، وما جعل علينا فيه من حرج، وأنه سبحانه يريد أن يخفف عنا، وكل هذا يدل على أن الغلو في الدين غير مطلوب، بل ليس هو من الدين، وأن التوسط هو سمة الدين ومنهاجه٦٦، الأمر الذي قرره ابن القيم بقوله: إن دين الله تعالى قائم على التوسط والاعتدال، فهو بين تفريط الجافي وغلو المتجاوز، كما يكون الوادي الفاصل بين جبلين، أو كالهداية التي تقع بين ضلالتين؛ فالتفريط والإفراط كلاهما انحراف عن المقصود، فالمفرّط يضيّع الحق بتركه، والغالي يُفسده بتجاوزه الحد المشروع؛ فالأول قصّر، والثاني أفرط، وكلاهما مبتعد عن الصراط المستقيم٦٧.
وحين يغيب الاعتدال، ويضعف الفقه في الدين، يجد الغلو سبيله إلى النفوس، فيفسد على الإنسان تصوره للحقيقة، ويجعله يتبنى مواقف حادة تمزق الصف، وتشيع الفتنة، وتفضي به إلى الغلو في التكفير، أو التشدد في السلوك، أو التنطع في العبادة.
والغلو -بما يحمله من نزعة تجاوز- يُقوّض أسس الأمن الفكري القائمة على التوسط والاعتدال، ويولّد حالة من الانغلاق والتعصب، مما يُعطّل ملكة الفهم السليم، ويحجب البصيرة، ويجعل من الدين أداة تهديد لا هداية، ومن النصوص مطايا لأهواء جامحة.
ولما كان الغلو ظاهرة لا يمكن أن يخلو منها مجتمع مهما كان مذهبهم، ودينهم٦٨ فقد تناولها العلماء على مر العصور والأزمان، ومن جملتهم الإمام ابن القيم -رحمه الله- حيث كان من أوسع العلماء بيانًا لأضرار الغلو، وأدقهم تحليلًا لمداخله الخفية، فجمع في مواضع كثيرة من كتبه بين التحذير النظري من الغلو بوصفه مهددًا خطيرًا للتدين والفكر، وبين التمثيل العملي لحالاتٍ يظن أصحابها أنهم على هدى، وهم في حقيقة الأمر متورطون في الإفراط، مشوشون في تصورهم للعبادة.
أما عن تحذيره من الغلو فقد كان واضحا جليا في مؤلفاته في غير ما موضع منها تحذيره من الغلو ليس لمجرد كونه زيادة في التعبد أو التشدد في الظاهر، بل لأنه مخالفة لهدي النبي ﷺ وأصحابه في الفهم والتطبيق، سواء أكان ذلك بالمجاوزة أو بالتقصير.
فهو يقرّر قاعدتين أساسيتين:
أن التعمق والتنطع المذمومين شرعًا، هما خروج عن السنة، لا مجرد زيادة اجتهادية.
وأن الحق كل الحق في المتابعة، ولو خالف هوى النفس أو استنكار من لم يدرك الحكمة من الاعتدال.
فيقول-رحمه الله-: "وقد ظهر بهذا أن التعمق والتنطع والتشديد الذي نهى عنه رسول الله ﷺ هو المخالف لهديه وهدي أصحابه وما كانوا عليه، وأن موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإن أباها وجهلها من جهلها، فالتعمق والتنطع مخالفة ما جاء به، وتجاوزه والغلو فيه ومقابلة إضاعته والتفريط فيه والتقصير عنه وهما خطأ وضلالة وانحراف عن الصراط المستقيم والمنهج القويم"٦٩. ومن هذا الطرح يظهر منهج ابن القيم في تقرير أن الأمن الفكري لا يتحقق إلا بالتوازن بين الإفراط والتفريط، وبضبط الفهم لما جاء به الشرع، لا بالتشدد الموهوم ولا بالتهاون والانسلاخ، فالتمسك بهدي النبي ﷺ على وجهه الصحيح هو العاصم من الغلو، لا المبالغة في المظاهر، ولا محض التشدد، ولا التحجّر على فهومٍ مغلوطة.
كما حذر منه ونبّه على مداخله الخفية، وبدائله المضللة، وذلك من حيث إن الشيطان لا يقتصر على إضلال العبد بالتفريط والتقصير، بل قد يدخل عليه من باب الغلو والتنطع، فيحمّله ما لا يُطيق، ويزيّن له الشدة على نفسه أو على غيره، حتى يخرجه من روح الشريعة وسعتها إلى ضيقها، ومن يسرها إلى عسرها، ومن وسطيتها إلى طرفي الإفراط أو التفريط٧٠.
وأحد هذه الخطيئتين هي تجليات عملية وتصرفات سلوكية ناجمة عن الغلو والتي عبر عنها ابن القيم في معرض ذكره للغلو وأنواعه بقوله: والغلو يتنوع إلى صنفين: أحدهما يخرج صاحبه عن حدود الطاعة المشروعة، كالذي يزيد في العبادة ما لم يُشرَع، فيبتدع في الصلاة أو الصيام أو المناسك، فيفعل ما لم يأمر به الله ورسوله عمدًا، كأن يضيف ركعة إلى الصلاة، أو يصوم الدهر كله متجاهلًا النهي، أو يرمي الجمار بما هو خارج عن السنة، أو يكرر السعي أكثر من العدد المشروع.
والنوع الآخر من الغلو لا يبلغ حدّ الابتداع، لكنه يؤدي بصاحبه إلى التعب الشديد والانقطاع، كالذي لا ينام الليل قيامًا، أو يصوم العام بأكمله دون راحة، فيُخشى عليه من الملل أو الفتور٧١.
فقد أبان ابن القيم -رحمه الله- طبيعة الغلو من حيث ممارساته العملية، ويوضح أنه لا يقتصر على صورة واحدة، بل يتنوع بحسب حال المكلف ومقاصده، وذلك وفق تصنيفين اثنين:
الأول: غلوٌ ظاهرٌ فاحش يتضمن تجاوزًا صريحًا لما شرعه الله.
الثاني: غلوٌ مستورٌ ناعم يتسلل في ثوب الورع والاجتهاد، لكنه لا يقل خطورة.
ويكشف هذا التصنيف عن عمق نظرة ابن القيم الفكرية، فقد أدرك أن الغلو ليس في الظاهر فقط، بل في روح العبادة حين تُفتقد فيها السكينة، أو يُغلّب فيها جانب الحماسة على الفقه والاتباع.
وهذا الإدراك يجعله من أوائل من نَبَّه إلى أن الغلو لا يكون غالبًا عن جهل فحسب، بل قد يُولد أحيانًا من حرص غير منضبط، أو اجتهاد لم يُؤسَّس على علم.
ومما سبق يمكن القول بأن الغلو ليس مجرد خلل في العمل أو العبادة، بل هو اختلال في الفهم والتصور، ينشأ من ضعف في الفقه، أو جهل بمقاصد الشرع، أو اندفاع غير منضبط، فيؤدي إلى تطرف في المواقف، وتشدّد في المعايير، وانغلاق على النصوص دون فهم كليّ لها.
وقد قدّم الإمام ابن القيم -رحمه الله- معالجة دقيقة لهذا المهدد الخطير، من خلال تحليله العميق لأسبابه، وتنبيهه على مداخله الخفية، وتصنيفه لأنواعه، وتقريره لقاعدة الوسطية بوصفها السياج المانع من الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء.
ولئن كان الأمن الفكري لا يتحقق إلا على أساسٍ من الاعتدال في التصور، والاتباع في التطبيق، والفقه في الدين، فإن الغلو بكل أشكاله يُقوّض هذه الأسس، ويُهدد السلامة الفكرية للأفراد والمجتمعات، ويجعل من الدين عامل تفريق لا توحيد، ومصدر تشدد لا رحمة.
من هنا، فإن التربية على الفقه، وتعظيم السنة، وتعميق فهم مقاصد الشريعة، هي من أبرز ما يعالج الغلو ويقي منه، ويُعيد الأمن إلى مساره الصحيح، كما دلّت عليه نصوص الشرع، وتأصيلات الأئمة، وفي مقدمتهم ابن القيم -رحمه الله- الذي كان من أصدق من شخّص المرض، وأعمق من وصف الدواء.
المبحث الثالث: التقليد والتعصب وأثرهما على الأمن الفكري
المطلب الأول: التعريف بالتقليد والتعصب، والتأصيل الشرعي لهما
-التعريف بالتقليد:
-في اللغة: هو وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، ويسمى قلادة، يقال قلّد فلانًا، أي: اتبعه وحاكاه فيما يقول أو يفعل، بلا حجة ولا دليل٧٢.
-في الاصطلاح: هو "اتباع الإنسان غيره فيما يقول أو يفعل معتقدا للحقيقة فيه، من غير نظر أو تأمل في الدليل، كأن هذا المتبع جعل قول الغير أو فعله قلادة في عنقه، وهو عبارة عن قبول قول الغير بلا حجة ولا دليل"٧٣. وقيل: هو قبول قول الغير بلا معرفة دليله، وهي مرتبة العامي، الذي لا قدرة له على فهم الأدلة والاستنباط منها، فيقلد من يثق بعلمه وديانته٧٤.
-التعريف بالتعصّب:
-في اللغة: مأخوذ من العصبية، والعصبية: أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته، والتألب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين، وقد تعصبوا عليهم: إذا اجتمعوا، فإذا اجتمع فريق على فريق آخر، قيل: تعصبوا٧٥،
وقيل: هو عدم قبول الحق عند ظهور دليله٧٦.
-في الاصطلاح: هو أن ينحاز الإنسان لفكره أو فكر تابعه بلا دليل ولا برهان، ويجعله حجة عليه وعلى سائر الناس٧٧.
وقيل: هو شيمة من شيم الضعف، وخلة من خلل الجهل، يبتلى بها الإنسان فلا يرى حسنا إلا ما حسن في رأيه، ولا صوابًا إلا ما ذهب إليه، أو تعصّب له٧٨.
والتعصب بمختلف أشكاله وصوره سواء كان في نصرة رأي أو في المعاداة له، يرجع إلى قسمين: محمود ومذموم، وإن غلب التعصب على النوع المذموم، فإن صاحب الحق لا يعتبر متعصبًا، وإن جاز أن يسمى كذلك، ما دام في نصرة حق بحق واعتدال، لكن الأغلب في إطلاق لفظ التعصب انصرافه إلى القدح والذم٧٩.
ويُعدّ التقليد الأعمى من أبرز المداخل المؤدية إلى التعصّب؛ إذ ينشأ التعصّب غالبًا حين يتخلى الفرد عن النظر والاستدلال، ويُسلِّم عقله وقناعته لشخص، أو مذهب، أو جماعة، دون تمحيص أو نقد، فيرتبط بالأقوال والآراء ارتباطًا قائمًا على الانتماء لا على الدليل.
ومع استمرار هذا النمط من التلقي، يتحول التقليد إلى تعصّب يدفع صاحبه إلى الانتصار لما قلّده، والدفاع عنه، ورفض ما يخالفه ولو كان مؤيدًا بالحجة والبرهان، مما يؤدي إلى اضطراب الحكم على الأفكار والمواقف، ويُضعف القدرة على تقبل الحق متى ظهر دليله.
وعليه يمكن القول بأن: ارتباط التعصّب بالتقليد هو ارتباط السبب بالمسبّب؛ إذ إن التقليد الأعمى يُفضي إلى التعصّب عندما يجعل المقلِّد ولاءه للأشخاص أو المذاهب مقدَّمًا على الدليل، فيتحول الاتباع غير الواعي إلى انحياز فكري يمنعه من المراجعة والنقد، ويقوده إلى رفض الحق إذا خالف ما اعتاده أو نشأ عليه.
ولقد نهى الشارع الحكيم عن اتباع ما كان عليه الأسلاف والتعصّب لآرائهم ومناهجهم دون دليل يعتد به، وأن ذلك مظنة التبرؤ من الأخلاف كما في قوله تعالى: ﴿إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦ وَقَال ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧﴾ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
فهذه الآيات تدل على استنكار التقليد الأعمى، وإلى الحض على ترك التقاليد المستهجنة، المتوارثة عن عهود الجهالة والضلالة، والدعوة إلى إتباع الحق الذي أنزله الله نورًا وهدى، وهذه الدعوة تتضمن إعمال الفكر فيما يجد عليه الأبناء آباءهم، وتتطلب عدم الاتكال على المألوف والرضى بالمتعارف دون نقد ولا تمحيص، كحال من قال فيهم سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠﴾ [البقرة: ١٧٠]، وتقتضي هذه الدعوة بالأخص وزن التراث المتلقى من الآباء والأجداد بميزان الوحي والعقل، فما وافقهما كان حريًا بالإتباع، وما خالفهما كان حريًا بالإهمال٨٠.
المطلب الثاني: التقليد والتعصب عند ابن القيم
من المهددات التي تتفرع عن ضعف البصيرة وغياب المنهجية السليمة في التلقي، التقليد الأعمى والتعصّب الناشئ عنه؛ إذ إن الفكر لا يفقد أمنه بسبب الجهل والغلو فحسب، بل قد يفقده أيضًا حين يُعطَّل العقل عن النظر في الأدلة، ويُستعاض عن الحجة بالانتماء، وعن البرهان بالتقليد، وفي هذه الحالة يتحول التعصّب إلى حاجز يحول بين صاحبه وبين قبول الحق، ويغدو التقليد وسيلة لإدامة الأخطاء وترسيخ الانحرافات الفكرية في المجتمعات الإسلامية.
ولهذا أولى ابن القيم هذه القضية عناية خاصة، فبيّن الفرق بين الاتباع المشروع والتقليد المذموم، حيث يقول -رحمه الله-: "سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور"٨١. فأبان -رحمه الله- أن التقليد المذموم هو الذي يُغلِق باب الفهم، ويجعل من القول البشري نصًّا مقدّسًا، ومن المخالف عدوًّا محاربًا، فينشأ عن ذلك تعصّب للرأي، وجمود في الفكر، وانغلاق عن الحق المبين، فالمقلدة بهذا المعنى قد خالفوا ما أمر الله به ورسوله، وابتعدوا عن هدي الصحابة وعمل الأئمة المهتدين؛ فقد أمر الله عند وقوع التنازع أن يُرد الأمر إليه وإلى رسوله، بينما المقلدون يجعلون المرجع من قلدوه، لا نصوص الوحي.
وكذلك أمر النبي ﷺ بالرجوع إلى سنته وسنة خلفائه الراشدين عند وقوع الخلاف، والحث على التمسك بها تمسكًا شديدًا، في حين أن المقلدين إذا اختلفوا، جعلوا المعيار ما ذهب إليه إمامهم، ولو خالف النص الصحيح، فقدموا قوله على غيره ٨٢. وقد حذر الإمام ابن القيم -رحمه الله- من هذا المهدد، فشنّع على التقليد الأعمى، وبيّن أثره في طمس معالم الاستدلال، وتعطيل النصوص، وتقديس الأشخاص على حساب الوحي، فكان من أكثر العلماء إنكارًا له، وتحذيرًا من تبِعاته الفكرية والعقدية والسلوكية، يقول -رحمه الله -:"ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون، وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون، ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا: ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢﴾ [الزخرف: ٢٢]، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب"٨٣.
وتتمثل خطورة التقليد في آثاره العميقة على البناء الفكري للإنسان؛ إذ يؤدي إلى إضعاف ملكة النظر والاستدلال، والحد من القدرة على التمييز بين الآراء وتقويمها وفق المعايير الشرعية والعقلية، ومع استمرارية التقليد تتراجع استقلالية التفكير، ويصبح الفرد أكثر قابلية لتلقي المواقف والأحكام وتبنيها دون فحص أو تمحيص، الأمر الذي قد يفضي إلى اضطراب التصورات والتباس معايير الحكم، ومن ثم الانحراف عن منهج الاعتدال والاستقامة، وفي هذا السياق يصف ابن القيم حال المقلدين الذين عطلوا أدوات النظر والتفكر، وأصبحوا أسرى لما تلقوه من آراء وموروثات دون نظر في أدلتها أو التحقق من صحتها فيقول: إن أولئك الغارقين في ظلمات الجهل، ممن انقطعت صلتهم بأنوار الهداية، هم أشبه ما يكونون بالأنعام في غياب البصيرة، بل هم أبعد عن طريق الحق، إذ إن ما يقومون به من أعمال إنما يجري على سبيل الاتباع الأعمى والتقليد الموروث، لا على أساس من العلم أو هدى من الله تعالى٨٤.
فكان من جملة ما كشف عنه ابن القيم من حال المقلدة على غير نور وهدى وبرهان، أن ما كان منهم من التقليد الأعمى وما تبعه من التعصّب للمذاهب، إنما هما نتيجة ظلمات فكرية متراكمة، تُحيط بصاحبها حتى يفقد القدرة على البصيرة، فلا يبني دينه على نور من الله، وإنما على ميراث موروث، أو هوى متوارَث.
ففي النص الأول يُصوّر حال المتعصبين للمذاهب تصويرًا نفسيًا ودينيًا، بأنهم جعلوا التعصّب ديانةً، والمذهب بضاعةً يتكسبون بها، وهو تصوير يكشف فساد المقصد وانحراف الطريق، لا سيما حين تصبح أقوال البشر مقدّمة على الوحي.
وفي النص الثاني يُبيّن أن أعمال هؤلاء -مهما كثرت- خالطها الجهل وانعدام البصيرة، لأنها لم تُبنَ على نور من الله، بل على محض التقليد واتباع الآباء، حتى أحاطت بهم الظلمات من كل وجه، فصاروا بمنزلة الأنعام في فقدان التمييز، بل أضلّ سبيلًا، لأن الأنعام لا تحاسب، وهؤلاء قد أُوتوا آلة الفهم والعقل، فعطلوها عن بلوغ الحق، وقصروها عن الوصول للحقيقة.
وهذا الربط العميق بين فقدان البصيرة، والتقليد المذموم، والانغماس في الجهل، يكشف عن حقيقة مفادها أن الأمن الفكري لا يهدده الجهل فحسب، بل يهدده أيضًا الجمود على التقليد، والتعصب للرأي، وتعطيل نور الدليل، وكلها تتكامل لتجعل من الفكر بيئة مظلمة، لا تبصر فيها العقول، ولا تهتدي بها القلوب.
وقد أورد ابن القيم -رحمه الله- أهم المفاتيح التي تُبنى عليها السلامة الفكرية والمنهجية وذلك في التفريق الواضح الجلي بين الاتباع المطلوب الوارد في مثل قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾ [آل عمران: ٣١].
والتقليد المذموم الذي ليس له زمام ولا خطام كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠﴾ [البقرة:١٧٠].
فيقول ابن القيم -رحمه الله- في هذا السياق: "وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعًا، وإيهامه وتلبيسه، بل هو مخالف للإتباع، وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريق المتبع والإتيان بمثل ما أتى به"٨٥، ومن هنا يتجلى الفرق الجوهري بين الاتباع والتقليد، وهو فرق لا يقتصر على اللفظ، بل يمتد إلى المنهج والتصور والمقصد.
فالاتباع في نظره -رحمه الله- هو سلوك واعٍ مبني على البصيرة والدليل، وهو السير على طريق المتبوع عن علمٍ وفقه، أما التقليد فهو انقياد بلا نظر، واتباع بلا بصيرة، وهو ما يقع فيه كثير من الناس حين يُسمّون التقليد اتباعًا توهّمًا أو تزيينًا، فيخلطون بين مسارين متباينين في جوهرهما.
وهذا البيان من ابن القيم -رحمه الله- لا يُعالج مسألة فقهية أو عقدية فحسب، بل يضع أساسًا معرفيًّا وفكريًّا ضابطًا للاتباع الحق، حيث لا يكون الانقياد مقبولًا إلا إن بُني على دليل، وتحقّق فيه قصد الاتباع للنبي ﷺ وهديه، لا لقول فلان أو رأيه، مهما علا شأنه وقدره، لا سيما وإن كان التقليد في المدح أو الذم دون حجة أو برهان، وإنما لهوى في النفس فيقول في معرض حديثه الموجه للعقلاء: بأنه لا يليق بهم أن يجعلوا معيار المدح والذم تبعًا لما عليه الناس، خصوصًا إذا كان أولئك إنما يمدحون أو يذمون تبعًا لأهوائهم لا للحق والعدل؛ فإن هذا النوع من التقليد كثيرًا ما شكّل حجابًا بين القلوب وبين نور الهداية، ولم يسلم من أثره إلا من سبقت له من الله الحسنى٨٦.
وعليه فإن من أعظم ما يحفظ به الأمن الفكري ويعمل على ترسيخ هذا التمييز في الأذهان، هو إدراك أن الاتباع نور، والتقليد المذموم حجاب، وأن الحق يُتّبع بدليله، لا باسم قائله أو نسبه، وأن التعظيم المشروع للعلماء لا يعني العصمة، بل يُردّ منهم ما خالف النص، ويُقبل ما وافقه، وهذا هو فقه السلف، وهذا هو صراط أهل الاتباع.
لا ما يفعله المتعصبون حين يُقدّمون الرأي والمذهب على النص والدليل، في ظاهرة تؤكد الخلل المنهجي العميق الذي يقعون فيه والذي وصفه ابن القيم بأنه قلب للموازين، ذلك أنهم جعلوا الأصل أقوال أئمتهم، ثم نظروا في النصوص الشرعية من السنة، فما وافقها قبلوه، وما خالفها اجتهدوا في دفعه وتأويله، وقد يقبلون روايات ضعيفة أو أقل دلالة إن وافقت مذهبهم، ويحتجون بها على مخالفيهم، في حين يردون ما هو أقوى منها في السند أو الدلالة إذا خالف ما هم عليه، دون اعتبار لمعيار علمي منصف ٨٧.
وهذه من المفارقات العجيبة والمسالك الخطيرة التي وقع فيها المتعصّبون، وهي قلبهم لمعيار القبول والرد، حتى أصبح الحق تابعًا للهوى، والدليل مرهونًا بالموافقة المسبقة للرأي، فبدلًا من أن يُعرض القول على الدليل، صار الدليل يُعرض على القول؛ فإن وافقه قُبِل، وإن خالفه تُكُلّف في تأويله، أو رُدّ صراحة، أو أُضعفت دلالته بغير حجة معتبرة.
وما يُظهره ابن القيم -رحمه الله- ليس فقط نقدًا علميًا لسلوك منحرف في التعامل مع النصوص، بل هو تحذير من خلل في الميزان العلمي والقلبي معًا، حيث تتحكم العصبيّة في منهج التلقي، فيُقبل الضعيف إذا وافق الهوى، ويُرد الصحيح إن خالفه، وهذا السلوك يُنذر بانهيار ميزان الإنصاف، ويُهدد جوهر الأمن الفكري الذي يقوم على الموضوعية، والتجرد، وتعظيم النص لا النفس.
وثمة قاعدة ضرورية في هذا الباب وهي: أن الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق، وأن صدق الاتباع إنما يظهر حين يُقدَّم الدليل على كل ما سواه، ولو خالف ما اعتاده المرء أو نشأ عليه، فإنما الهداية في اتباع الحجة والدليل، لا في موافقة العادة، أو الهوى، أو الرأي.
ومن ثمّ، فإن ضبط ميزان الاتباع، وتحرير الفكر من أغلال التعصّب والتقليد، هو أحد أعمدة تحقيق الأمن الفكري، وضمان سلامة التصور والاجتهاد، وهو مسلكٌ لا يتحقق إلا بالرجوع إلى الوحي، وتعظيم سنن الهداية، وتجريد النية لطلب الحق، ولو خالف ما أَلِفته النفس أو درج عليه المجتمع.
المبحث الرابع: اتباع الهوى وأثره على الأمن الفكري
المطلب الأول: التعريف باتباع الهوى، والتأصيل الشرعي له
-التعريف باتباع الهوى:
-في اللغة: هوى الشيء: سقط من علو إلى سُفل، واستهوى الشيء فلانًا: أي أعجبه وشغل باله وهواه، واستهوى فلانًا: أثر فيه حتى جعله يتقبل رأيه دون أن يقف على دليل يقيني بصحته، والهوى: الميل والعشق، ويشمل الخير والشر، وميل النفس إلى الشهوات٨٨، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠﴾ [النازعات:٤٠].
-في الاصطلاح: اتباع الهوى: هو ميل النفس إلى الشبهات والشهوات، من غير داع الشرع، والعقل السليم٨٩.
وقيل: خلاف الهدى، وهو الخروج عن منهاج الكتاب والسنة، والهدي الصحيح٩٠.
وقد قرن سبحانه بين الهوى والضلال في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله : ﴿... وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ...﴾ [صٓ: ٢٦ [، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣﴾ [الجاثية: ٢٣].
وبيّن أن الهوى يقود إلى الفتنة والانحراف، فقال: ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠﴾ [القصص: ٥٠].
بل إن القرآن الكريم استخدم أسلوب التنفير من اتباع الهوى والانقياد له وأكد هذا بضرب المثال بشيء محسوس وذلك إمعانًا في التنفير منه كما في قوله تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥ وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٨]، فجاء النهي عن اتباع الهوى بضرب مثال محسوس، فقد شبَّهت الآية من ترك العمل، وأقبل على اتباع هواه بالكلب الذي يعد من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدرًا، وأخسها نفسًا، وأشدها شرَهًا وحرصًا٩١.
وفي الحديث الشريف ما يفيد ذم الهوى وكونه من المهلكات، منها قوله ﷺ: (وأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)٩٢.
كما جاء اتباع الهوى مقترنًا بالفتن، ففي الحديث أنه ﷺ قال: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز، مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه)٩٣.
وجاء أيضًا مقترنًا بالعجز، في مقابل المؤمن الفطن، كما في قوله ﷺ: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله)٩٤.
ومع تظافر الأدلة الشرعية على ذمّ الهوى والتحذير منه، فإن هذا الذمّ ليس متوجهًا إلى مطلق الهوى، وإنما إلى ما كان منه مخالفًا للشرع والفطرة السليمة، أما الهوى الموافق للحق والهادي إلى الخير، فإنه يُعدّ محمودًا شرعًا، ويُثاب صاحبه عليه، وعلى هذا المحمل تُفسَّر النصوص الشرعية التي ورد فيها ذكر الهوى على وجه المدح، باعتباره ميلًا منضبطًا بأحكام الشريعة ومقاصدها، كما في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)٩٥.
ولما كان الهوى من جملة الغرائز والميول الفطرية التي جُبلت عليها النفس الإنسانية، فإنه لا يكون محلَّ مؤاخذةٍ شرعًا بمجرد وجوده في النفس، إذ إن المحاسبة لا تتعلق بأصل الميل والرغبة، وإنما تتعلق بالاستجابة لهما واتباع مقتضاهما فيما يخالف الشرع وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية-رحمه الله-: "الهوى والشهوة لا يعاقب عليه، بل على اتباعه والعمل به، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملًا صالحًا"٩٦.
المطلب الثاني: اتباع الهوى عند ابن القيم
إن من أعتى الرياح التي تعصف بالأمن الفكري وتزلزل أركانه، اتباع الهوى الذي هو من أخطرها تمكنًا في النفس، وسيطرة على العقل، ذلك أنه مهدد داخلي، ينشأ من انحراف الإرادة، واضطراب المقاصد، وتقديم الرغبات النفسية على صحيح النقل ومقتضى العقل.
وإذا كان الجهل يُضلّ الفكر من جهة غياب العلم، والغلو يُفسده من جهة مجاوزة الحد، والتعصب يُقيده بقيود التقليد، فإن الهوى يحرّف المسار من أساسه، ويصرف القلب عن الحق، ويهوّن الباطل ويزيّنه.
ومن لم يتعاهد نفسه ويزجرها عن هواها وغيها هجمت عليها وساوس الفكر، وحثت مسيره في طلب ما شغفت به نفسه، فاستأنست بالآراء الفاسدة والأطماع الكاذبة، والأماني العجيبة، ووقعت ولا شك في الضلال والانحراف عن الطريق القويم والصراط المستقيم٩٧.
وإذا كان هذا شأن اتباع الهوى وهذا حال صاحبه المقرون دومًا بالضلال والخسران، والزيغ والخذلان فقد تنبّه ابن القيم -رحمه الله- إلى خطورة هذا المهدد، فجعله من أعظم ما يحول بين الإنسان وبين قبول الحق، ومن أكبر مداخل الشيطان إلى النفس، إذ الهوى ليس مجرد ميل، بل هو انحراف في الإرادة يقود إلى فساد في الفهم والعمل معًا، وهو ما عبّر عنه بقوله: "اتباع الهوى يطمس نور العقل، ويعمي بصيرة القلب، ويصد عن اتباع الحق، ويضل عن الطريق المستقيم، فلا تحصل بصيرة العبرة معه البتة، والعبد إذا اتبع هواه فسد رأيه ونظره، فأرته نفسه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، فالتبس عليه الحق بالباطل، فأنى له الانتفاع بالتذكر، أو بالتفكر، أو بالعظة؟"٩٨.
فاتباع الهوى لا يقف عند حدود الرغبات، بل يتجاوزها إلى تحريف التأويل، وتزييف القناعات، وتقديم مصالح النفس على مقاصد الشريعة، حتى يستقر الباطل في صورة الحق، ويغيب التمييز بين الهداية والضلالة، فيصبح الفكر رهين الهوى، والعقل أسير الشهوة، والدين مطيّة للمصالح.
ذلك أن اتباع الهوى من العوامل المؤثرة في توجيه السلوك الإنساني، إذ ينعكس أثره على اتخاذ القرارات وتسيير المواقف بما قد يفضي إلى تضييق فرص الهداية والتوفيق دون وعي مباشر من الفرد الأمر الذي مؤداه بالضرورة إلى ضعف القدرة على ضبط الاختيارات وفق المعايير الشرعية والعقلية، وقد وصف ابن القيم هذه الحالة لمتبعي أهوائهم بقوله: إنهم ليكثرون التمني بأن يُوفَّقوا لفعل الطاعة أو ترك المعصية، بينما هم في الحقيقة قد أغلقوا على أنفسهم أبواب التوفيق بسلوكهم طريق الهوى، وسد المنافذ المؤدية إلى السداد بضعف عزيمتهم وخضوعهم لرغباتهم وشهواتهم وأهوائهم٩٩. فاتباع الهوى، بهذا التصوير، ليس فقط انحرافًا في القرار، بل هو عائق في طريق الفضل الإلهي، يمنع عن متبع هواه أسباب الخير، ويفتح عليه منافذ الخذلان، فيُحرم من بركة التوفيق، ويعيش في دائرة من التيه والتردد. ومن هذا المنطلق، يُصبح ضبط الهوى، ومخالفة النفس، شرطًا أساسيًا في تحصيل التوفيق والفهم السديد، مما يجعل مقاومة الهوى مشروعًا إيمانيًا لحماية الأمن الفكري والروحي معًا، لا مجرد تمرين أخلاقي أو انضباط سلوكي.
إن هذا المشروع الإيماني لحماية الفكر من مهاوي الردى ومسالك الخذلان لهو حري لكل مسلم أن يتبنه حتى تنجو سفينة الأمة الإسلامية، ذلك أن اتباع الهوى وما ينتج عنه من انحرافات في الفكر والسلوك، لا تقتصر في حقيقتها على الشخص نفسه بلا تمتد لتعم العالم بأسره وهذا ما قرره ابن القيم -رحمه الله- بقوله: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأميت بها من هدى، وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟
وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿...لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠﴾ [الملك: ١٠]، فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس وليس لها أنفع منه"١٠٠.
وهكذا فقد رسم ابن القيم -رحمه الله- مشهدًا كاشفًا لانهيار المنظومة الفكرية حين تنفصل عن مرجعية الوحي، وتخضع لعقلٍ مأسور بهوى النفس، إذ بمجرد أن يتقدّم الرأي المجرد على نصوص الشرع، أو يُسلّم العقل لقيادة الهوى، تبدأ الأمة في الانحدار، ويبدأ القلب في الفساد، ويبدأ العقل في التيه.
لقد رأى ابن القيم أن أصل الهلاك لا يكمن فقط في الجهل، بل في المعاندة المعرفية، وتغليب الهوى على مقتضى النقل والعقل، وهما أصلان فاسدان إذا تمكنا من قلب، أفسداه، وإذا استقرا في أمة ما أورداها المهالك، ولو كانت ذات حضارة أو علم.
ثم بين -رحمه الله- النتيجة الحتمية لهذا المهدد الفكري من حيث وصفه بأنه أداة لنفي الحق، وإثبات الباطل، وإحياء الضلالة، وإماتة للهدى، فهو لا يصف حالًا فرديًا، بل يصف مشهدًا أمميًا من الانحراف الجماعي، حين يُستبدل معقل الإيمان بمعبد الهوى، وتُسلّم العقول لتأويلات منفصلة عن الوحي.
ثم يختم ابن القيم -رحمه الله- بحلٍ واضحٍ جليّ" :دواءه في مخالفة الهوى" لكنه لا يغفل أن هذا الدواء عسير على النفس، بل يقرّ بأنه أصعب شيء عليها، لأنه يخالف طبعها وميلها، لكنه -في المقابل- أنفع دواء لها، فيقول -رحمه الله- في تقرير هذا المعنى: إن النفس الإنسانية مفطورة على الجهل والظلم، فهي تجهل مصالحها الحقيقية، وتُقبل على ما يضرها وهي تظنه نافعًا، فتتبع أهواءها ظنًّا منها أن فيها شفاءها، وهي في الواقع سبب هلاكها، ومن ظلمها أنها ترفض توجيه الناصح الأمين، وتخطئ في تقدير الأمور، فتعتمد ما يضرها وتترك ما فيه صلاحها، فتقلب موازين العلاج وتُعرض عن الدواء الناجع، وتتمسك بما يزيد من علتها١٠١.
وهذا الانقلاب في الموازين، كما يصوره ابن القيم، ليس مجرد خلل نظري، بل هو خلل في التلقي والقبول، وفي منهجية الفهم، وفي بوصلة الإرادة، فلا ينتج عنه إلا الانغماس في الباطل تحت غطاء البحث عن النجاة.
إن هذه الصورة النفسية الدقيقة تؤكد أن مواجهة الهوى ليست خيارًا فكريًا فقط، بل معركة داخلية تحتاج إلى صبر وعلم وبصيرة، وأن الأمن الفكري الحقيقي لا يُبنى إلا إذا استقامت النفس على طريق العلاج، لا على هوى التأويلات أو رغبات الذات.
إن تحصين الفكر اليوم هو ضرورة أكيدة وحاجة ملحة، للخروج بالمجتمعات المسلمة من المآزق الفكرية، والفتن التي باتت تعصف بها من باب الشهوات والشبهات التي وصفها ابن القيم بأنها جذور الفتن في حياة الناس والتي ترجع في أصلها إلى أمرين أساسيين: تقديم الآراء البشرية على النصوص الشرعية، وتغليب الأهواء على مقتضى العقل السليم، فالأول يؤدي إلى الوقوع في فتنة الشبهات واضطراب التصورات، أما الثاني فهو منشأ فتنة الشهوات وانحراف الإرادة والسلوك ويكون المخرج من هاتين الفتنتين باتباع طريقين: فما كان في الشبهات فيندفع باليقين، وما كان في الشهوات فتُقاوَم بالصبر١٠٢.
إن هذا النص يمثل المعادلة المركزية لفساد الفكر والسلوك، إذ تقرر أن كل فتنة تنبع من خلل في مرجعية النظر أو انحراف في ميزان الإرادة؛ فحين يُقدّم الإنسان الرأي على الشرع، يقع في فتنة الشبهات، وهي انحراف في التصور والمعرفة، وحين يُقدّم الهوى على العقل، يقع في فتنة الشهوات، وهي انحراف في الإرادة والسلوك.
وبهذا التصنيف الدقيق، يتضح أن الانحرافات الفكرية لا تنشأ عن الجهل فقط، بل قد تولد من تقديم العقل المجرد على النص، أو من الخضوع لأهواء النفس وتزيينها، وهذه الثنائية -الشبهة والشهوة- تشرح كثيرًا من مظاهر الانحراف التي تقوّض الأمن الفكري، وذلك أنها تتغذى على التأويل الفاسد من جهة، والرغبة الجامحة من جهة أخرى.
ثم يضع ابن القيم -رحمه الله- العلاج المختصر الدقيق بقوله: "الشبهات تُدفع باليقين"، أي: بالعلم الراسخ الذي يردّ التأويلات المنحرفة إلى أصولها، و"الشهوات تُدفع بالصبر"، أي: بالثبات على طريق المجاهدة وكبح رغبات النفس، فلا تستسلم لما تهواه، بل تُروّض على الانقياد للحق.
وهذا الجمع بين التحليل العقلي والعلاج القلبي، يعكس منهج ابن القيم المتكامل في معالجة مهددات الفكر والسلوك، ويُؤكّد أن الأمن الفكري لا يتحقق بالعلم فقط، ولا بالسلوك فقط، بل بهما معًا، حين يُضبط الفكر بالوحي، ويُزكّى القلب بالصبر.
وخلاصة ما تقدم: أن اتباع الهوى ليس مجرد خلل في الميل أو الإرادة، بل هو مهدد جوهري للأمن الفكري، تتفرع عنه ضروب من الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتتغذى عليه كثير من صور الفتنة في الأفراد والمجتمعات. وقد دلّت نصوص الوحي، وكلمات العلماء المحققين -وفي طليعتهم الإمام ابن القيم- على أن هذا الداء لا يُداوى إلا بالعلم الراسخ، ومجاهدة النفس، وتقديم الوحي على الرأي، والشرع على الهوى.
وباستقراء المباحث الأربعة في هذا البحث، يظهـر أن مهــددات الأمن الفكري التي وقف عندهــا ابن القيــــم -رحمه الله- ليست عوارض طارئة، بل هي أمراض متأصلة تتغلغل في كيان النفس، وتؤثر في طرائق التفكير ومنهجيات الفهم، وتتبدّى في صور: الجهل، والغلو، والتعصب، واتباع الهوى.
وقد جاء عرضها وتحليلها في كتب ابن القيم بنَفَسٍ إصلاحي عميق، يجمع بين دقة التشخيص، وقوة الاستدلال، ووضوح الرؤية في بيان أثر هذه المهددات في زعزعة الأمن الفكري، وما يترتب عليها من اضطراب في التصورات، وانحراف في السلوك، وانقسام في الصف، وفتنة في الدين والدنيا.
إن قيمة ما قدّمه ابن القيم -رحمه الله- في هذا الباب، لا تقف عند حدود التنظير، بل تتجاوزها إلى بناء منهجٍ متكامل في الحماية الفكرية والتربوية، يعيد للإنسان توازنه، ويُرشده إلى سبيل النجاة، بتزكية النفس، وتقويم الفكر، وردّ الأمور إلى نصوص الوحي، وتحرير العقل من أسر التقليد والهوى.
ولذلك فإن من أهم ما يُستخلص من هذا البحث أن تحقيق الأمن الفكري لا يمكن أن يُنال إلا بضبط المعرفة، وتصحيح المنهج، ومجاهدة النفس، والرجوع الصادق إلى منابع الشرع الأصيلة، وأن هذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة شرعية وحضارية لحفظ الدين والعقل والمجتمع.
الخـــاتمـــــــــــــة
بفضل الله وتوفيقه، اختُتم هذا البحث الذي تناول مهددات الأمن الفكري من خلال رؤية الإمام ابن القيم، مبرزًا عمق تحليله ودقة تشخيصه لجذور الانحراف.
وقد خلُص البحث إلى عدد من النتائج المهمة، والتوصيات التي قد تسهم في تعزيز الوعي الفكري ومعالجة مشكلاته.
أولاً – النتـــائــج:
اهتم الإمام ابن القيم -رحمه الله- بالفكر، وحذّر مما يهدد أمنه ويزعزع استقراره ويحرفه عن مساره.
أثبتت الدراسة أن الجهل عند ابن القيم يمثل الجذر المعرفي الرئيس لمهددات الأمن الفكري؛ لما يترتب عليه من فساد التصور، الأمر الذي يجعل العلم الشرعي الصحيح والاعتصام بالوحي أساسًا وقائيًا ومنهجيًا لتحقيق الأمن الفكري وصيانته من الانحراف.
الغلو يمثل أحد أبرز مهددات الأمن الفكري عند ابن القيم، لارتباطه بالانحراف عن منهج الوسطية وإفضائه إلى التشدد والتطرف في الفهم والممارسة، في حين يشكل العلم الشرعي والاتباع الصحيح للسنة والفقه بمقاصد الشريعة الركائز الأساسية للوقاية من هذا المهدد.
يمثل التقليد الأعمى الأساس المعرفي للتعصّب؛ لأن كليهما يقوم على إقصاء النظر والاستدلال، غير أن التعصّب يُعد مرحلة متقدمة من التقليد، ينتقل فيها الفرد من مجرد قبول الآراء دون دليل إلى الدفاع عنها والانتصار لها، وتقديمها على الحجة الشرعية والعقلية، مما يجعلهما من أخطر المهددات المؤثرة في سلامة الفكر وموضوعية الحكم.
يصور ابن القيم اتباع الهوى، على اعتبار كونه مهدد داخلي، لأنه يقلب الموازين، ويعطّل العقل، ويغلق أبواب التوفيق، ويقود إلى الفتنة والخذلان.
يجمع ابن القيم -رحمه الله- في ثنايا عرضه لهذه المهددات بين تشخيص الداء، وبيان الدواء الشرعي الأصيل، مما يكشف عن بصيرته في الربط بين فساد الفكر وفساد السلوك.
ثانيًا – التوصيـــــــات:
العناية بدراسة منهج ابن القيم الفكري في مواجهة الانحرافات، بوصفه نموذجًا متكاملًا يجمع بين الأصالة والعمق والواقعية.
تضمين مناهج التعليم الشرعي موادَّ تُعنى بـالأمن الفكري، وتدعيمها بأقوال العلماء الربانيين، وعلى رأسهم ابن القيم -رحمه الله -.
تعميق الوعي بخطورة المهددات الفكرية في الخطاب الدعوي والتربوي، ووضع برامج عملية لمعالجتها.
إقامة دورات علمية متخصصة لطلبة العلم والدعاة في تحقيق التوازن بين النص والاجتهاد، والعقل والوحي، وضبط مسألة الاتباع والفهم عن السلف.
هذا واللهَ أسأل أن يبارك هذا الجهد، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
- ١ ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره وموارده، بكر عبد الله أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٢هـ.
- ٢ أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية من الآثار الهدامة، عبد الله الجربوع، الجامعة الإسلامية، عمادة البحث العلمي، المدينة المنورة، ١٤٢٣ه
- ٣ أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، مجموعة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الرياض، ١٤٢٥هـ.
- ٤ اجتماع الجيوش الإسلامية، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: عواد المعتق، مطابع الفرزدق، الرياض، ١٩٨٨م.
- ٥ أدب الطلب ومنتهى الأرب، محمد الشوكاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩م.
- ٦ أساليب البحث العلمي ومصادر الدراسات الإسلامية، محمد الدغيمي، الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤٢٢هـ.
- ٧ أسباب الجهل المتعلقة بالعلم والمتعلم-دراسة موضوعية في القرآن الكريم، د. ماجد الجهني، مجلة الجامعة العراقية، المجلد: (٦٦)، العدد: (١)، ٢٠٢٥م.
- ٨ إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩١م.
- ٩ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، ٢٠٠٢م.
- ١٠ اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، ابن تيمية، تحقيق: ناصر العقل، دار العاصمة، الرياض، ط٦، ١٤١٩ه.
- ١١ الأمن الفكري في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عايد بن مسفر العقيلي، دار الفضيلة، الرياض، ٢٠١٧م.
- ١٢ الأمن الفكري وعناية المملكة العربية السعودية به، عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار القلم، دمشق، ٢٠١٦م.
- ١٣ البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي، دار الكتبي، ١٤١٤هـ/١٩٩٤م.
- ١٤ البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، ١٩٩٧م.
- ١٥ بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: علي العمران، دار الفوائد، مكة المكرمة، ٢٠٠٥م.
- ١٦ تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، الكويت.
- ١٧ التعريفات، علي بن محمد الجرجاني (ت: ٨١٦هـ)، تحقيق: مجموعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٣م.
- ١٨ التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي، د. خالد كبير، دار رؤية للنشر والتوزيع، ٢٠١٥م.
- ١٩ تنمية التفكير من خلال المنهج المدرسي، رشيد أحمد البكر، دار الرسالة، بيروت، ٢٠١٤م.
- ٢٠ التوقيف على مهمات التعاريف، عبدالرؤوف المناوي، تحقيق: عبدالحميد حمدان، عالم الكتب، القاهرة، ط١، ١٩٩٠م.
- ٢١ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبدالوهاب، المكتب الإسلامي، ط٦، ١٤٠٥ه.
- ٢٢ التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي الناصري، دار المغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٥م.
- ٢٣ الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، محمد إسماعيل البخاري، دار التأصيل، القاهرة، ط١، ٢٠١٢م.
- ٢٤ جمهرة اللغة، محمد ابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٧م.
- ٢٥ دراسات في الأهواء والفرق والبدع، د. عبد الكريم العقل، دار اشبيليا، الرياض، ط١، ١٩٩٧م.
- ٢٦ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، أحمد بن حجر، تحقيق: محمد خان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط٢، ١٩٧٢م.
- ٢٧ ذم الهوى، جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (ت: ٥٩٧هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الإحسان، ٢٠٠٧م.
- ٢٨ الذيل على طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب (ت: ٧٩٥هـ)، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، الرياض،٢٠٠٥م.
- ٢٩ روضة المحبين ونزهة المشتاقين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٣م.
- ٣٠ زاد المعاد في هدي خير العباد، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، مكتبة المنار، الزرقاء، ط٢، ١٩٩٤م.
- ٣١ سنن ابن ماجة، محمد يزيد القزويني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العلمية، ط١/٢٠٠٩م.
- ٣٢ سنن الترمذي، محمد بن عيسى الترمذي (ت: ٢٧٩هـ)، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد عبد الباقي، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٩٧٥م.
- ٣٣ سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد الذهبي (ت: ٧٤٨هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٨٥م.
- ٣٤ شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد الحنبلي (ت: ١٠٨٩هـ)، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ١٩٨٦م.
- ٣٥ شرح التلويح على التوضيح، سعد الدين التفتازاني، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م.
- ٣٦ شرح المعلقات التسع، تحقيق: محمد باسل السود، دار الكتب العلمية، بيروت: ط١، ٢٠٠٢م.
- ٣٧ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: أحمد علي، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧٨م.
- ٣٨ صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة البابي الحلبي، بيروت.
- ٣٩ الصلاة وأحكام تاركها، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، مكتبة الثقافة، مصر، ١٩٩٩م.
- ٤٠ الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ٢٠٠٨م.
- ٤١ الطب النبوي، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الهلال، بيروت، ط٦، ٢٠٠٨م.
- ٤٢ فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث، القاهرة، ط١، ١٤٠٧ه.
- ٤٣ فيض القدير بشرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٤م.
- ٤٤ القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروز آبادي (ت: ٨١٧هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ٢٠٠٥م.
- ٤٥ كتاب السنة، ابن أبي عاصم الشيباني، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٠ه.
- ٤٦ لسان العرب، محمد ابن منظور، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط٢.
- ٤٧ مجموع الفتاوى، ابن تيمية الحراني، جمع: عبد الرحمن بن قاسم وابنه، مطبعة البابي الحلبي، بيروت.
- ٤٨ مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، جمع وترتيب: فهد السليمان، دار الوطن ، الرياض، ١٤١٣هـ.
- ٤٩ مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط٥، ١٩٩٦م.
- ٥٠ المصباح المنير، أحمد الفيومي، تحقيق: يوسف الشيخ، المكتبة العصرية.
- ٥١ معجم العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥هـ)، تحقيق: مهدي المخزومي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط١، [د.ت].
- ٥٢ المعجم الكبير، سليمان الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط٢.
- ٥٣ معجم اللغة العربية المعاصرة، عمر أحمد، عالم الكتاب، القاهرة، ٢٠٠٨م.
- ٥٤ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، إشراف: شوقي ضيف، مكتبة الشروق الدولية، ط٥، ١٤٣١ه.
- ٥٥ معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني (ت: ٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٩٩١م.
- ٥٦ مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٥، ١٩٩٩م.
- ٥٧ المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، بيروت، ١٤١٢ه.
- ٥٨ مفهوم الأمن الفكري في الإسلام وتطبيقاته التربوية، أمل محمد نور، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ٢٠١٢م.
- ٥٩ مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم، محمد العبده، دار الشروق، القاهرة، ط١.
- ٦٠ مقومات الأمن الفكري لدى الإمام ابن القيم-دراسة تأصيلية، ندى الزهراني، مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، مجلد: (٢١)، العدد: (٦).
- ٦١ المنهج التحليلي وتطبيقه في العلوم الإسلامية، فاطمة العباسي، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمّان، ط١، ٢٠١٤م.
- ٦٢ الموافقات، إبراهيم الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، الرياض ١٩٩٧م.
- ٦٣ الوابل الصيب من الكلم الطيب، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط٣، [د.ت].
- ٦٤ الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي (ت: ٧٦٤هـ)، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، دار إحياء التراث، بيروت، ط:١، [د.ت].
- ٦٥ الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة، حاتم العوني، دار العلوم، جدة، ط١، ٢٠١١م.
فهرس المصادر والمراجع
الهوامش
- انظر: أساليب البحث العلمي ومصادر الدراسات الإسلامية، محمد الدغيمي، الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤٢٢هـ، ص٥٦. ---^
- المرجع السابق، ص٨٨. ---^
- انظر: المنهج التحليلي وتطبيقه في العلوم الإسلامية، فاطمة العباسي، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمّان، ط١، ٢٠١٤م، ص١١. ---^
- انظر: الصحاح، إسماعيل الجوهري، تحقيق: أحمد عطار، دار العلم للملايين،١٩٧٩م، (٢/٥٥٥). ---^
- انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، عمر أحمد، عالم الكتاب، القاهرة، ٢٠٠٨م، (٣/٢٣٣٢). ---^
- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس القزويني (ت: ٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، ط٢، ١٩٩١م، (١/١٣٣). ---^
- معجم العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت: ١٧٥هـ)، تحقيق: مهدي المخزومي، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ط١، [د.ت]، (٨/٣٨٨). ---^
- التعريفات، علي بن محمد الجرجاني (ت: ٨١٦هـ)، تحقيق: مجموعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٣،٣٨. ---^
- الأمن الفكري في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، د. عايد بن مسفر العقيلي، دار الفضيلة، الرياض، ٢٠١٧م، ص٢٠. ---^
- انظر: معجم مقاييس اللغة، بن فارس، (١/٧١٨). ---^
- القاموس المحيط، مجد الدين محمد الفيروز آبادي (ت: ٨١٧هـ)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط٣، ٢٠٠٥م، ص٥٨٨. ---^
- انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٦٥. ---^
- تاج العروس من جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، الكويت، (١٣/٣٤٥). ---^
- الأمن الفكري وعناية المملكة العربية السعودية به، عبد الله التركي، دار القلم، دمشق، ٢٠١٦م، ص٥٧. ---^
- تنمية التفكير من خلال المنهج المدرسي، رشيد البكر، دار الرسالة، بيروت، ٢٠١٤م، ص١٣. ---^
- مفهوم الأمن الفكري في الإسلام وتطبيقاته التربوية، أمل نور، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١، ٢٠١٢م، ص٤٨. ---^
- انظر: الأمن الفكري وعناية المملكة العربية السعودية به، عبد الله التركي، ص٥٧. ---^
- مقومات الأمن الفكري لدى الإمام ابن القيم-دراسة تأصيلية، ندى الزهراني، مجلة جامعة الملك خالد للعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، مجلد: (٢١)، العدد: (٦)، ص١٣. ---^
- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٥، ١٩٩٩م، (١/٢١٤). ---^
- المرجع السابق، نفس الصفحة. ---^
- انظر: سير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد الذهبي (ت: ٧٤٨هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٨٥م، (٢٣/٣٢٧). شذرات الذهب في أخبار من ذهب، عبد الحي بن أحمد الحنبلي (ت: ١٠٨٩هـ)، تحقيق: محمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق، ١٩٨٦م، (٥/٤٢٠). ---^
- انظر: البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر ابن كثير (ت: ٧٧٤هـ)، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، ١٩٩٧م، (٤/٢٤٦). الذيل على طبقات الحنابلة، عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب (ت: ٧٩٥هـ)، تحقيق: عبد الرحمن العثيمين، مكتبة العبيكان، الرياض،٢٠٠٥م، (٤/٣٦٨). ---^
- انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، (١٤/١١٤). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، أحمد بن حجر، تحقيق: محمد خان، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط٢، ١٩٧٢م، (١/٢٥٩). ---^
- انظر: شذرات الذهب، الحنبلي، (٦/٣٦٨). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ابن حجر، (٢/١٧٦). ---^
- انظر: الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل الصفدي (ت: ٧٦٤هـ)، تحقيق: أحمد الأرناؤوط، دار إحياء التراث، بيروت، ط:١، (٢/١٩٥). ---^
- انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، (١٣/١١٤). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ابن حجر، (١/٢٥٩). ---^
- للاستزادة انظر: ابن قيم الجوزية-حياته وآثاره وموارده، د. بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٢هـ، ص ١٣. ---^
- انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، (١٤/٢٤٦). الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، ابن حجر، (٣/٢٤٥). ---^
- العين، للفراهيدي، (٣/٣٩٠). ---^
- جمهرة اللغة، محمد ابن دريد، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٧م، (١/٤٩٤). ---^
- شرح المعلقات التسع، تحقيق: محمد باسل السود، دار الكتب العلمية، بيروت: ط١، ٢٠٠٢م، ص٣٤٧. ---^
- معجم اللغة العربية المعاصرة، عمر أحمد، (١/٤١٤). ---^
- شرح التلويح على التوضيح، سعد الدين التفتازاني، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م، (٢/٣٥٨). ---^
- المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان داوودي، دار القلم، بيروت، ١٤١٢ه، (١/٢٠٩). ---^
- التوقيف على مهمات التعاريف، عبد الرؤوف المناوي، تحقيق: عبد الحميد حمدان، عالم الكتب، القاهرة، ط١، ١٩٩٠م، ص٨٢٣. ---^
- انظر: أسباب الجهل المتعلقة بالعلم والمتعلم-دراسة موضوعية في القرآن الكريم، د. ماجد الجهني، مجلة الجامعة العراقية، المجلد: (٦٦)، العدد: (١)، ٢٠٢٥م، ص٤. ---^
- رواه البخاري في صحيحه (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه)، دار التأصيل، القاهرة، ط١، ٢٠١٢م، باب: رفع العلم وظهور الجهل، حديث رقم: (٨٠)، (١/٤٣). ---^
- رواه ابن ماجة في سننه، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة العلمية، ط١/٢٠٠٩م، باب: ما يدعو به الرجل إذا خرج من بيته، حديث رقم: (٣٨٨٤)، (٥/٤٧). قال محققوه: حديث صحيح. ---^
- انظر: فيض القدير بشرح الجامع الصغير، عبد الرؤوف المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٤م، (٥/١٢٣). ---^
- انظر: الموافقات، إبراهيم الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة آل سلمان، دار ابن عفان، الرياض ١٩٩٧م، (٥/١٧٨). ---^
- مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (١/٣٥). ---^
- انظر: بدائع الفوائد، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: علي العمران، دار الفوائد، مكة المكرمة، ٢٠٠٥م، (٤/٢٠٩). ---^
- الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: علي الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ٢٠٠٨م، (٣/١١٣٢). ---^
- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط٥، ١٩٩٦م، (١/٤٦٧). ---^
- انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (١/٨٥). ---^
- رواه الترمذي في سننه، محمد بن عيسى الترمذي (ت: ٢٧٩هـ)، تحقيق: أحمد شاكر ومحمد عبد الباقي، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٩٧٥م، أبواب الزهد، باب: ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، حديث رقم: (٢٣٢٥)، (٤/٥٦٣)، قال محققوه: حديث حسن صحيح. ---^
- انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (١/١٨٠). ---^
- انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد الفقي، مكتبة المعارف، الرياض، ٢٠٠٢م، (٢/١٧٤). ---^
- شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: أحمد علي، دار المعرفة، بيروت، ١٩٧٨م، (٢/٥٦/٥٧). ---^
- ينسبه بعضهم إلى الإمام علي بن أبي طالب، ولم أقف عليه. ---^
- مدارج السالكين، ابن القيم، (٣/٢٤٥). ---^
- مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (١/٨٧). ---^
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، (١/٤٥٨)، بتصرف. ---^
- بدائع الفوائد، ابن القيم، (٢/٣٢). ---^
- انظر: لسان العرب، محمد ابن منظور، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، ط٢، ١٤١٧هـ، (١٥/١٣٢). ---^
- انظر: المصباح المنير، أحمد الفيومي، تحقيق: يوسف الشيخ، المكتبة العصرية، (٢/٤٥٢). ---^
- اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم، ابن تيمية، تحقيق: ناصر العقل، دار العاصمة، الرياض، ط٦، ١٤١٩ه، (١/٣٢٨). ---^
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث، القاهرة، ط١، ١٤٠٧ه، (١٣/٢٧٨). ---^
- تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الوهاب، المكتب الإسلامي، ط٦، ١٤٠٥ه، ص٢٥٦. ---^
- مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، جمع وترتيب: فهد السليمان، دار الوطن، الرياض، ١٤١٣هـ. (٧/١٨). ---^
- رواه ابن ماجة في سننه، باب: قدر حصى الرمي، حديث رقم: (٣٠٢٩)، ص٦٩٤، قال محققوه: حديث صحيح. ---^
- رواه مسلم في صحيحه، مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة البابي الحلبي، بيروت، كتاب: العلم، باب: هلك المتنطعون، حديث رقم: (٢٦٧٠)، (٨/٥٨). ---^
- كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، حديث رقم: (٤٧٧٦)، (٥/١٩٤٩). ---^
- انظر: الاعتصام، الشاطبي، (٢/٦٧٧). ---^
- انظر: أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية من الآثار الهدامة، عبد الله الجربوع، الجامعة الإسلامية، عمادة البحث العلمي، المدينة المنورة، ١٤٢٣ه، ص٢٦٤. ---^
- انظر: أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية ودفع الغلو، مجموعة من العلماء، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، الرياض، ١٤٢٥هـ، ص٣٠. ---^
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، (٢/٤٦٤). ---^
- انظر: الولاء والبراء بين الغلو والجفاء في ضوء الكتاب والسنة، حاتم العوني، دار العلوم، جدة، ط١، ٢٠١١م، ص٢٠. ---^
- الصلاة وأحكام تاركها، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، مكتبة الثقافة، مصر، ١٩٩٩م، ص١٥٨. ---^
- انظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط٣، (١/١٤). ---^
- انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، (٢/٤٦٤). ---^
- انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، إشراف: شوقي ضيف، مكتبة الشروق الدولية، ط٥، ١٤٣١ه، (٢/٧٥٤). ---^
- التعريفات، الجرجاني، (١/٩٠). ---^
- انظر: البحر المحيط في أصول الفقه، بدر الدين الزركشي، دار الكتبي، ١٩٩٤م، (٦/٢٧٠). ---^
- انظر: لسان العرب، ابن منظور، (٩/٢٣٣). ---^
- انظر: معجم اللغة العربية، عمر أحمد، (٢/١٥٠٥). ---^
- انظر: أدب الطلب ومنتهى الأرب، محمد الشوكاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩٩م، ص٨٦. ---^
- انظر: مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم، محمد العبده، دار الشروق، القاهرة، ط١، ص٧٩. ---^
- انظر: التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي، د. خالد كبير، دار رؤية للنشر والتوزيع، ٢٠١٥م، ص٧. ---^
- انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد الناصري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٩٨٥م، (١/١٠١). ---^
- إعلام الموقعين عن رب العالمين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٩١م، (٢/١٣٠). ---^
- انظر: المرجع السابق، (٢/١٥٩). ---^
- إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، (١/٦). ---^
- انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، تحقيق: عواد المعتق، مطابع الفرزدق، الرياض، ١٩٨٨م، (٢/١٧٥). ---^
- إعلام الموقعين، ابن القيم، (٢/١٣١). ---^
- انظر: زاد المعاد في خير هدي العباد، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، مكتبة المنار، الزرقاء، ط٢، ١٩٩٤م، (٣/ ٥٤٨). ---^
- انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، (١/ ٦٠-٦١). ---^
- انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ص٩٢٤. والمعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص١٠٤٣-١٠٤٤. ---^
- انظر: التعريفات، الجرجاني، ص٢٧٨. ---^
- انظر: دراسات في الأهواء والفرق والبدع، د. عبد الكريم العقل، دار اشبيليا، الرياض، ط١، ١٩٩٧م، (١/٢٥). ---^
- انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم، (١/١٦٥). ---^
- رواه الطبراني في المعجم الكبير، تحقيق: حمدي السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط٢، حديث رقم: (٦٥١)، (١١/٣٠١)، قال محققوه: حديث حسن. ---^
- رواه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، حديث رقم: (١٤٤)، (١/٨٩). ---^
- رواه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقاق والورع عن رسول الله ﷺ، باب: حديث رقم: (٢٦٢٧)، (٤/٤٥٠). قال محققوه: حديث حسن. ---^
- رواه ابن أبي عاصم، في كتاب السنة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط١، ١٤٠٠ه، حديث رقم: (١٥)، (١/١٢)، قال محققوه: إسناده ضعيف. ---^
- مجموع الفتاوى، ابن تيمية الحراني، جمع: عبد الرحمن بن قاسم وابنه، مطبعة البابي الحلبي، بيروت، (١٠/٦٣٥). ---^
- انظر: ذم الهوى، جمال الدين الجوزي، (ت: ٥٩٧هـ)، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مكتبة الإحسان، ٢٠٠٧م، ص٣٦. ---^
- مدارج السالكين، ابن القيم، (١/٤٤٧). ---^
- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٣م، ص ٤٧٩. ---^
- إعلام الموقعين، ابن القيم، (١/٥٤). ---^
- انظر: الطب النبوي، محمد بن أبي بكر ابن القيم (ت: ٧٥١هـ)، دار الهلال، بيروت، ط٦، ٢٠٠٨م، ص١٥١. ---^
- انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم، (٢/١٦٧). ---^