تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
الدعوة والثقافة الإسلامية

قراءة نقدية لموقف محمد عابد الجابري من التراث الإسلامي: من خلال كتابه: "بنية العقل العربي"

person عبدالله بن أحمد بن محمد عالي الأنصاري - school معهد الحرم المكي الشريف
1 نوفمبر 2026

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فقد تعددت مشروعات الفكر الحداثي العربي في نقد التراث الإسلامي: في مصادره الأصلية، أو العلوم الإسلامية الخادمة والمتفرعة عن تلك المصادر، ومن بين تلك المشروعات مشروع محمد عابد الجابري في نقد ما سماه (العقل العربي)، الذي يُعَدُّ من أكثر المشروعات تأثيرًا في الخطاب العربي المعاصر عمومًا، وعلى المنتمين إلى ما يسمى بـ"الخطاب الإسلامي" خصوصًا، لأنه لم يصادم التراث الإسلامي مباشرة، وإنما حاول توظيف التراث لأغراض الحداثة، ودعا إلى إعادة فهم التراث بطريقة حداثية.

ومشروع (نقد العقل العربي) عند الجابري تبلور في أربعة كتب: (تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي)، وأهم هذه الكتب، كتاب "بنية العقل العربي" الذي جعله (دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية).

في هذا البحث محاولة لإلقاء الضوء على موقف محمد عابد الجابري من التراث الإسلامي من خلال ما سماه "نقد العقل العربي"، وبخاصة في كتابه: "بنية العقل العربي".

إشكالية البحث:

يحاول هذا البحث الإجابة عن السؤال الآتي: ما موقف الجابري من التراث الإسلامي؟

وتفرع على هذا السؤال ثلاثة أسئلة:

ما المنهجية التي سار عليها الجابري في نقد التراث الإسلامي؟

ما الرؤية التي قدَّمها في ذلك من خلال كتابه "بنية العقل العربي"؟

ما موقفنا من ذلك؟

أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى إعطاء صورة عن موقف الجابري من التراث الإسلامي تجمع بين أمرين:

وضع موقف الجابري من التراث الإسلامي ضمن منهجه الفكري العام بصورة قريبة من الشمولية -بقدر ما يسمح به البحث- تعطي القارئ فكرة متكاملة عن مشروع الجابري، وعن موقع كتابه "بنية العقل العربي" من ذلك المشروع.

تصوير موقف الجابري بصورة نقدية تجمع بين التوصيف والنقد يتوصل القارئ من خلالها إلى معرفة محل النقد في عمل الجابري إلى جانب فهمه له، مع الالتزام في ذلك كلِّه بالإيجاز، والتناول العام دون الخوض في التفاصيل ومناقشتها.

حدود الدراسة: يدور هذا البحث حول دراسة موقف الجابري من التراث الإسلامي، من خلال كتابه: "بنية العقل العربي"، وهذا يقتضي أن يكون هو الكتاب المحوري في هذا البحث، لكن البحث لا ينحصر فيه وحده، بل لا بد أن يتناول نصوص الجابري التي يعبّر فيها عن منهجه، لا سيما في كتابه: "نحن والتراث" الذي جعله تمهيدًا وتنظيرًا لمشروع "نقد العقل العربي"، ثم كتابه: "تكوين العقل العربي" الذي بدأ به مشروعه، فضلًا عمّا في كتبه الأخرى من إشارات إلى منهجه، فإن هذا البحث -كما اتضح في إشكالية البحث وأهدافه - يتناول منهج الجابري عمومًا، مع مزيد عناية بكتاب "بينة العقل العربي".

الدراسات السابقة: الدارسات حول الجابري عمومًا، وموقفه من العقل العربي بوجه خاص، كثيرة ومتنوعة، ويمكن تصنيف ما وقفت عليه من الدراسات إلى أصناف ثلاثة:

الأول: دراسات تتجه إلى المنحى الوصفي لعمل الجابري، وفي كثير منها إشادة بالجهد الذي قدَّمه الجابري في هذا الصدد، منها -على سبيل المثال- مما هو قريب من موضوع هذا البحث:

بحث بعنوان: "محمد عابد الجابري والتراث، القراءة والموقف"، للباحثَين: طرشي الزهرة، ورباني الحاج. مجلة الناصرية للدراسات الاجتماعية والتاريخية، مجلد (٨)، عدد (١)، جوان ٢٠١٧م، وهو بحث في مختصر في (٢٠) صفحة، وفيه استعراض لرؤية الجابري بصورة موجزة، وختم بعرض -أيضًا- لبعض المواقف من عمل الجابري، وغالبها تمجيد لجهد الجابري، وموقفين نقديين، ولكنها من وجه نظر تتفق معه في الهدف، وتختلف معه في الطريقة.

بحث بعنوان: "بنية العقل العربي وتشكيله في تصور محمد عابد الجابري"، للباحثَين: أحمد لشعل، وشويرب هنية. مجلة التكامل في بحوث العلوم الاجتماعية والرياضية، المجلد (٥)، العدد (١)، جوان ٢٠٢١م، وهو بحث مختصر جدًا في (١٧) صفحة، وهو عرض وصفي موجز لعمل الجابري، وليس معنيًّا بالنقد.

بحث عنوانه: "التراث الإسلامي والحداثة عند محمد عابد الجابري"، للباحث: علي حبيب سعيد العزاوي. مجلة بابل للعلوم الإنسانية، المجلد (٣١)، العدد (٨) ٢٠٢٣م، وهو بحث مختصر في (٢٣) صفحة، وغلب عليه التوصيف لما قام به الجابري والثناء على ما قدمه، مع انتقاد مقتضب في أسطر في آخر بحثه أحال فيها إلى مواقف بعض علمائه من الشيعة المعاصرين.

بحث بعنوان: "نقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري - قراءة تحليلية فكرية -"، للباحث: عبدالله الغزاوي، مجلة الشرق الأوسط للعلوم الإنسانية والثقافية. المجلد (٥)، العدد (٣)، ٢٠٢٥م، وهو بحث في (٢١)، نحا منحى الثناء على الجهد الذي قدمه الجابري، ويدعو إلى مواصلة الجهود في المسار نفسه الذي خطه الجابري.

وهذه الدراسات كلها، عرض لموقف الجابري من منظوره هو، ولهذا اتفقت في نتائج البحث على أن الجابري ليس رافضًا للتراث، وإنما يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهذه هي الصورة التي يقدم بها الجابري نفسه، وليس هي واقع ما قدمه الجابري.

وهذا مما يؤكد أهمية هذا البحث الذي يختلف عن هذه الدراسات في طريقة تعاملها مع مشروع الجابري، وما يتبع ذلك من الاختلاف في النتائج، وإن كانت قد تتقاطع مع هذا البحث في الجانب الوصفي، لكنه يختلف عنها في هذا الجانب من جهة طريقة الوصف، ومنطلقه.

الثاني: دراسات نقدية لكنها تنطلق من رؤى مخالفة لما يهدف إليه هذا البحث، كالنقد الذي قدمه طه عبدالرحمن في كتابه: "تجديد المنهج في تقويم التراث"، أو الدراسات التي قدّمها حداثيون في نقد الجابري، كجورج طرابيشي، وعلي حرب، وغيرهم.

الثالث: دراسات عامة عن موقف الفكر الحداثي من بعض القضايا لا تختص بالجابري، ولكنها عرضت بعض مواقفه مع غيره من الحداثيين، وقد استفدت منها في هذا البحث.

ولم أجد - فيما وقفت عليه - بحثًا تناول موقف الجابري من التراث الإسلامي بالنقد من المنظور الشرعي الذي ينطلق منه هذا البحث، إلا ما كان مبثوثًا في هذه الدراسات العامة.

منهج البحث: يسعى هذا البحث إلى الإجابة عن أسئلته الأساسية، وما يدخل تحتها من أسئلة فرعية، مراعيًا المناهج البحثية الآتية: المنهج الوصفي، وذلك بتتبع كلام الجابري في مواطن متعددة من كتبه للخروج برؤية كلية عن منهجه، وتصوير موقفه، والتعبير عنه بألفاظه قدر الإمكان كما قرره في عدد من كتبه، وكتابه "بنية العقل العربي" بوجه خاص، واقتضت طبيعة البحث أن يضاف إلى الوصف المزاوجة بين والتحليل والنقد؛ بتحليل موقف الجابري والربط بينه وبين منهجه، ورَدِّ الأفكار إلى أصولها الفكرية والفلسفية التي تفرعت عليها، مع نقده في ذلك وفق الرؤية الشرعية التي ينطلق منها هذا البحث بإيجاز دون المناقشة التفصيلية، بهدف تصوير موقف الجابري بصورة نقدية تجمع بين فهم موقفه، وملاحظة موضع النقد فيه.

خطة البحث: جاء البحث بعد المقدمة في: تمهيد، ومبحثين، وخاتمة، كالآتي:

تمهيد: فيه نبذة موجزة عن الجابري.

المبحث الأول: منهج الجابري في نقد التراث الإسلامي، وفيه ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: لماذا (العقل العربي)؟

المطلب الثاني: خطوات الجابري الإجرائية في نقد العقل العربي.

المطلب الثالث: توظيف المفاهيم المتنوعة المختلفة عند الجابري.

المبحث الثاني: نقد الجابري للتراث الإسلامي من خلال "بنية العقل العربي"، وفيه مطلبان:

المطلب الأول: تحليل الجابري للجانب المعرفي في التراث الإسلامي.

المطلب الثاني: توظيف الجابري للتراث في نقد التراث.

الخاتمة، وفيها أبرز النتائج.

والله أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به القراء الكرام.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

***

تمهيد

نبذة موجزة عن الجابري ١

محمد عابد الجابري، مفكر حداثي٢ مغربي، عاش بين (١٩٣٦م) و (٢٠١٠م).

درس في كلية الآداب بالرباط، حتى حصل فيها على دكتوراه الدولة عام ١٩٧٠م.

عمل أستاذًا فيها منذ ١٩٦٧م.

التحق الجابري بالحزب الاشتراكي في شبابه عام ١٩٥٨م٣، حتى صار أحد قياداته، والكاتب الرئيس لبياناته٤، ثم تركه لأسباب صحية عام ١٩٨١م٥.

عُرف بمشروعه (نقد العقل العربي):

كانت بدايته عام ١٩٨٠م، بكتاب: "نحن والتراث"، وبخاصة مقدمته التي تُعَدُّ تنظيرًا لمشروعه.

ثم كتاب "الخطاب العربي المعاصر" عام ١٩٨٢م، ويُعَدُّ تمهيدًا للمشروع، نقد فيه الخطابات العربية التي تناولت التراث.

ثم سلسلة (نقد العقل العربي)، في أربعة كتب:

كتاب: "تكوين العقل العربي" عام ١٩٨٤م.

ثم كتاب "بنية العقل العربي" عام ١٩٨٦م.

ثم كتاب "العقل السياسي العربي" 1990م.

ثم كتاب "العقل الأخلاقي العربي" 2001م.

انتقل بعد ذلك إلى مرحلة جديدة اتجه فيها إلى قراءة النص القرآني، وكان على جزأين:

مدخل إلى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن. ٢٠٠٦م.

فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول. ٢٠٠٨م-٢٠٠٩م.

وله العديد من الكتب الأخرى المنشورة، منها:

أضواء على مشكل التعليم في المغرب ١٩٧٣م.

مدخل إلى فلسفة العلوم ١٩٧٦م (جزآن).

من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية ١٩٧٧م.

الديمقراطية وحقوق الإنسان ١٩٩٤م.

***

المبحث الأول: منهج الجابري في نقد التراث الإسلامي

توطئة:

يختلف المشروع الحداثي عند محمد عابد الجابري عن غيره من المشروعات، فهو لم يوجه مشروعه النقدي لما يسميه الحداثيون (النص المؤسِّس)، وهو الوحي نفسه؛ لأنه يدرك أن التوجه بالنقد للوحي المقدس مباشرة سيؤدي إلى مواجهة صريحة للتيار الإسلامي منذ البداية؛ وهذا ما لا يريد الجابري «لأنه لا الوضعية الثقافية والبنية الفكرية العامة المهيمنة، ولا درجة النضج الثقافي لدى المثقفين أنفسهم؛ يسمح بهذا النوع من الممارسة الفولتيرية٦ للنقد اللاهوتي، ولا السياسة تسمح، وبطبيعة الحال فالإنسان يجب أن يعيش داخل واقعه لا خارجه حتى يستطيع تغييره»٧.

لذلك توجه لما يسمونه (النصوص الشارحة)، وهي العلوم الإسلامية، والعربية الخادمة للنص المؤسِّس (الوحي)، ولم ينقدها بصورة مباشرة، وإنما حلَّلها وعرضها عرضًا نقديًا، بوصفها ظاهرة تشكَّلت بطريقة ما، وصار لها شيوع في التفكير العربي والإسلامي، فوجّه تحليله لتلك الظاهرة: كيف تكوَّنت؟ وكيف بَنَت نفسها؟ وكيف تشكّلت فيها المواقف الدينية والسياسية والأخلاقية؟

وهذا النوع من الدراسات يُعّدُّ من أخطر الأساليب سيطرة على القارئ، ولا سيما إذا كان يقرأ بغير فحص ونقد، فضلًا عمن يكون خالي الذهن، فضلًا عن المعجب بالكاتب أو بالأسلوب.

وأما مجال اشتغال الجابري فكان شاملًا للثقافة الإسلامية والعربية بوصفها كلًا مكونًا من: «نحو، وفقه، وكلام، وبلاغة، وتصوف، وفلسفة ... »٨.

وأما كيفيته دراستها؛ فإنها لم تكن دراسة لرؤى تلك العلوم ومفاهيمها، وإنما هي دراسة للأداة المنتجة لتلك الرؤى والمفاهيم في مجالاتها المختلفة.

وأما المنهج الذي ينطلق منه؛ فهو المنهج البنيوي، وهو منهج نقدي ومذهب فكري، غلب على اهتمامه علاقة الإنسان بلغته، وبالكون من حوله، في جميع المجالات.

ويعتمد المنهج البنيوية على أن أي ظاهرة تشكّل "بنية"، ولدراسة هذه البنية يجب علينا أن نحللها إلى عناصرها المؤلفة منها، من دون أن ننظر إلى العوامل الخارجة عنها.

وكانت البنيوية في أول ظهورها تهتم بجميع نواحي المعرفة الإنسانية، ثم شاعت في ميدان البحث اللغوي والنقد الأدبي؛ لأنها جعلت للغة الدور الحاسم في بناء الأفكار وتحليليها، فانتقلت اللغة في المنهج البنيوي من مجرد وسيلة لنقل الأفكار والمفاهيم لتكون الأساس الفاعل والمنتج لهذه المفاهيم؛ ولهذا كان النظام اللغوي هو الممثل للدراسة البنيوية.

ويقوم النقد البنيوي على دراسة البنية الداخلية للنص، وذلك بدراسة مجموعة العناصر المكونة لبنية النص من داخل النص، فهي تهتم بالنص فقط ولا شيء غير النص، بعيدًا عن أي مرجعيات ينتمي إليها الكاتب دينية كانت أم اجتماعية أم تاريخية ..، ولذلك كان من أهم مرتكزاتها "موت المؤلف" الذي يعني رفض هيمنة سلطة المؤلف على النص، وعدم الاهتمام بقصده؛ لأنه يحول دون حرية التحليل اللغوي، واستكشاف الدلالات، فميلاد القراءة الجديدة للنص رهين بموت مؤلف النص، كما يقول البنيويون.

ومن الأساليب التي تساهم في إنتاج دلالات النص في المنهج البنيوي: البحث في الثنائيات المتضادة في النص: الحياة والموت، الأنا والآخر، المخلص والضحية ..إلخ، ومن اختلاف الثنائيات ينشأ الصراع فيمكن توليد الدلالات.

وتبحث البنيوية دائمًا عن الشفرات التي يمكن من خلالها الوصول إلى الدلالات، والحياة عمومًا هي عملية مستمرة من "التشفير" وحل "الشفيرات"٩.

فهذا هو المنهج بإيجاز، وستلاحظ -إن شاء الله تعالى- في تفاريق هذا البحث اعتماد الجابري لهذا المنهج.

وقد صرّح بذلك الجابري، فذكر في بيانه لمنهجه في دراسة التراث، أن أولى الخطوات التي سار عليها ما سماه "المعالجة البنيوية"، فقال: «الخطوة الأولى المعالجة البنيوية، ونقصد الانطلاق في دراسة التراث من النصوص كما هي معطاة لنا. إن هذا يعني ضرورة وضع جميع أنواع الفهم السابقة لقضايا تراثنا بين قوسين، والاقتصار في التعامل مع النصوص، كمدونة، ككل تتحكم فيه الثوابت، ويغتني بالمتغيرات التي تجري عليه حول محور واحد... يجب التحرر من الفهم الذي تؤسسه المسبقات التراثية أو الرغبات الحاضرة، يجب وضع كل ذلك بين قوسين، والانصراف إلى مهمة واحدة هي استخلاص معنى النص من ذات النص نفسه، أي من خلال العلاقات القائمة بين أجزائه»١٠، وسيأتي شرح الخطوات التي سار عليها الجابري قريبًا إن شاء الله.

وقد جعل الجابري نقدَ العقل العربي -بوصفه خطوة أولى- الانطلاقة العملية للمنهجية التي سار عليها في نقدِ التراث الإسلامي؛ «لأن نقد العقل جزء أساسي وأولي لكل مشروع للنهضة»١١ كما يقول.

ولتحقيق ذلك سلك الجابري منهجية، شملت: اختيار مصطلح "العقل العربي" لنقد التراث الإسلامي، ومنهجية نظّر لها، وسار عليها، بالإضافة إلى انتزاع بعض المفاهيم من سياقها المعروف، وتوظيفها بما يخدم مشروعه، فهذه ثلاث قضايا يمكن من خلالها توضيح منهج الجابري، وهي موضوع المطالب الآتية.

المطلب الأول: لماذا (العقل العربي)؟

يبدأ الجابري مشروعه بالإجابة عن هذا السؤال، معترفًا أن مصطلح (العقل العربي) «سيثير في ذهن القارئ الفاحص لما يقرأ، أكثر من سؤال: هل هناك عقلٌ خاص بالعرب، دون غيرهم؟ أوليس العقل خاصية ذاتية للإنسان، أي إنسان، تميزه وتفضله عن الحيوان؟». ويجيب عن ذلك بأنه «يمكن تفادي مثل هذه التساؤلات لو أننا استعملنا كلمة (فكر) بدل كلمة (عقل)»١٢.

ويؤكد هذا المعنى بأنه يستطيع أن يحدد «مفهوم (العقل العربي) كما سنتناوله بالتحليل والفحص في هذه الدراسة تحديدًا أوليًا، فنقول: إنه ليس شيئًا آخر غير هذا (الفكر) الذي نتحدث عنه»١٣.

ولكن يبقى أن في استعمال كلمة (فكر) إشكالًا؛ و«ذلك أن كلمة (فكر) تعني في الاستعمال الشائع اليوم، مضمون هذا الفكر ومحتواه، أي جملة الآراء والأفكار والمسائل المعبّر عنها في هذا الفكر»١٤، وهذا يترتب عليه أن الجابري لو استعمل كلمة (فكر)، لفُهم منه أنه يتكلم على الأفكار ذاتها، وليس عن الأداة المنتجة لتلك الأفكار، يوضح ذلك فيقول: «لو فعلنا ذلك لساهمنا في إعطاء القارئ لعنوان الكتاب فكرة أبعد ما تكون عن مضمونه الحقيقي ... ذلك لأن ما سنهتم به في هذا الكتاب ليس الأفكار ذاتها؛ بل الأداة المنتجة لهذه الأفكار»١٥، ولهذا رأى أن استعمال كلمة (العقل) أدق وأقرب للتعبير عن طبيعة مشروعه.

فالمقصود بـ(العقل) عند الجابري هو: الأداة المنتجة للأفكار لا الأفكار ذاتها، وبتعبير آخر هو: «الفكر بوصفة أداة، وليس بوصفه محتوى»١٦.

ويعتمد الجابري في تحديد هذا المفهوم للعقل على نظرية الفيلسوف الفرنسي رينيه لالاند (١٨٦٧م-١٩٦٣م) الذي ميّز بين نوعين من العقل: العقل المكوِّن، والعقل المكوَّن١٧، يشرح الجابري ذلك فيقول: «لنستعن بادي ذي بدء، في تلَّمس الجواب عن هذه الأسئلة بالتمييز الذي أقامه لالاند بين العقل المكوِّن أو الفاعل، والعقل المكوَّن أو السائد.

فالأول يقصد به: النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر حين البحث والدراسة والذي يصوغ المفاهيم ويقرر المبادئ، وبعبارة أخرى إنه: الملكة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ كلية وضرورية. وهي واحدة عند جميع الناس.

أما الثاني فهو: مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا، وهي على الرغم من كونها تميل إلى الوحدة فإنها تـختلف من عصر لآخر، كما قد تـختلف من فرد لآخر... (وهو العقل كما يوجد في حقبة زمنية معينة)، وبعبارة أخرى إنه: منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما، والتي تُعطى لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة»١٨.

أي إنه عقل تاريخي ناتج عن ظروفه التاريخية، يوجد في حقبة زمنية معينة، فهو: قواعد مقررة ومقبولة في فترة تاريخية ما، وسيختلف من عصر إلى عصر، ويبقى في صيرورة مستمرة، ما يعني أنه لا يمكن أن يكون مطلقًا ثابتًا، وهذا هو معنى تاريخيته، وهو ما صرح به الجابري، فقال: «فالعقل كوني ومبادئه كلية ضرورية ... نعم، ولكن فقط داخل ثقافة معينة أو أنماط ثقافية متشابهة»١٩.

وبتعبير أكثر صراحة ووضوحًا، في تأكيد تاريخية العقل، يقول: «إن هذا العرض الذي قدمنا فيه بصورة مجملة تطور مفهوم العقل ... يؤكد تاريخية هذا العقل، أي ارتباطه بالثقافة التي يتحرك داخلها، الشيء الذي ينزع عنه الصبغة الإطلاقية»٢٠.

فالجابري ينطلق في نقد العقل العربي من التسليم بتاريخيته، بحيث يكون «النظر إلى (العقل العربي) بوصفه عقلًا يُنشِئ ويَصوغ العقل السائد في فترة تاريخية ما»٢١؛ لينتهي إلى أن ذلك «يعني أنه بالإمكان إنشاء وصياغة مبادئ وقواعد جديدة تحل محل القديمة، وبالتالي قيام عقل سائد جديد، أو على الأقل تعديل أو تطوير أو تحديث أو تجديد؛ العقل السائد القديم. وواضح أن هذا لن يتم إلا من خلال نقد العقل السائد»٢٢.

والتاريخية في مفهومها الفلسفي تقوم على أساس أصالة الواقع، وإنكار كل ما يجاوز المادة، واعتبار الفكر، وكل ما ليس بمادي مجرد انعكاس للواقع المادي٢٣.

يقول علي حرب: «التاريخية تعني أن للأحداث والممارسات والخطابات أصلها الواقعي، وحيثياتها الزمانية والمكانية، وشروطها المادية والدنيوية، كما تعني خضوع البنى والمؤسسات والمفاهيم للتطور والتغير؛ أي قابليتها للتحول والصرف، وإعادة التوظيف»٢٤.

والقول بتاريخية العقل يعني أن العقل في تحول وصيرورة مستمرة، فلا وجود لمعنى مطلق وثابت، ولا يمكن مع هذا؛ الاعتراف بمعان ثابتة لا تقبل التحول لنصوص الوحي، كما أنه لا يمكن مع القول بالتاريخية إثبات ما يجاوز المادة من الحقائق الغيبية، مما يعني إلغاء الوحي بوصفه حقيقة غيبية٢٥.

وهنا تكمن خطورة القول بالتاريخية بمفهومها الفلسفي الذي يقول به أصحاب الفكر الحداثي، فهي ترى أن الفكر ما هو إلا نتاج للواقع المادي الذي ظهر فيه، بما في ذلك الوحي؛ فيفسِّرونه تفسيرًا ماديًّا يخرجه عن حقيقته الشرعية.

والجابري يقر بتاريخية الفكر بمفهومها الذي يقصد به: «ارتباطه بالواقع السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي الذي أنتجه، أو على الأقل تحرك فيه»٢٦.

لكنه مع ذلك يتوقف عند الوحي، فمشروعه ليس معنيًّا بنقد الوحي ذاته، وإنما في العلوم الخادمة للوحي، ولذا فهو يحاول ألا يقع في هذا الإشكال الخطير، هذا من جهة.

كما أنه من الناحية النظرية يستشكل -تبعًا لـ (لوكاتش)٢٧- كون «الدين والفن والفلسفة قطاعات معرفية تـخترق الزمنية، وتنفصل عن ظروف المكان لتشكل نماذج ملموسة لما هو أبدي مطلق»٢٨.

فهل معنى ذلك أن الجابري يستثني هذه القطاعات من المفهوم العام للتاريخية؟ أم أنه مجرد استشكال مع القول بشمول التاريخية للدين؟

لو قيل: إنه يرى استثناء هذه القطاعات الخاصة من القول بالتاريخية؛ فإنه لم يُبيِّن وجه استثنائها، كما أنه -من جهة أخرى- وقع في التناقض حين جمع بين القول بالتاريخية بمفهومها العام، وبين وجود ما يمكن أن يستثنى من تلك التاريخية، وهو ما يعني بالضرورة خرق عموم التاريخية، وهذا مناقض لحقيقتها٢٩.

وهذا الاحتمال -أي القول باستثناء الدين من التاريخية- قد يكون واردًا كما قد يشير إليه أيضًا توجه مشروع الجابري في نقده للتراث الإسلامي، الذي وإن كان قائمًا على التاريخية إلا أنه لا يتجه إلى أصل الدين والوحي والنبوة، كما يقول: «النقد اللاهوتي/العقائدي الكلامي ليس من مجال اهتمامي»٣٠، ويعني به نقد الدين في نصوصه المقدسة، وعقائده.

ويحدد مجال اهتمامه، فيقول: «إن موضوع عملي هو الثقافة العربية الإسلامية؛ أعني الثقافة التي تم بناؤها داخل اللغة العربية وبواسطتها ... والنقد الذي اخترته يتناول المعرفة وليس العقيدة»٣١.

فهو يركِّز نقده على الجانب المعرفي، وكيفية إنتاج المعرفة، وهو الذي يعنيه بالنقد الإيبيستيمولوجي، دون النقد العقدي، ونقد النصوص المقدسة، الذي يطلق عليه النقد اللاهوتي.

ويوضح سبب رفضه للنقد اللاهوتي في الدين الإسلامي، فيقول: «إن من يفكر في النقد اللاهوتي على غرار ذلك النقد اللاهوتي الذي عرفته أوروبا، يتجاهل الفرق بين الدين الإسلامي والدين المسيحي.

الدين الإسلامي له كتاب مقدس، لم يلحقه تغيير، ولا تحريف منذ أنْ جُمع في عهد عثمان، وليس هناك دليل قاطع على أن نوعًا من التحريف، أو البتر، أو التغيير، قد حدث في فترة ما بين نزول القرآن وجمعه»٣٢، ومن ثم فنحن -بحسب الجابري- «أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن القرآن الذي بين أيدينا هو نفسه الذي كان عند الصحابة زمن النبوة وزمن أبي بكر وعمر، وهذا ما يعتقده المسلمون قديمًا وحديثًا، وفي هذه الحالة فلا مجال لممارسة أي نقد لاهوتي على النص القرآني. وإما أن هناك تغييرًا أو بترًا وفي هذه الحالة سنكون أمام فرضية لا سبيل إلى إثباتها؛ الشيء الذي يجعل النقد اللاهوتي عملية غير ممكنة»٣٣.

ويؤسس الجابري موقفه هذا على: «أن النقد اللاهوتي في الثقافة الأوربية مرتبطٌ بواقع أن المسيحية ليس لها كتاب كالقرآن، وإنما لها مجموعة من الأناجيل تنسب إلى صحابة المسيح ... فالنقد اللاهوتي ينصب أساسًا على نقد هذه الروايات، وهي نصوص جمعت في فترة متأخرة»٣٤.

وفي سياق آخر يصرّح بأن القرآن ثابت تاريخيًا، فليس ثمة ما يُسوِّغ الشك فيه، فيقول: «النقد اللاهوتي الذي من هذا النوع لا يمكن ممارسته على القرآن، لأنه من الثابت تاريخيًّا أنه هو نفسه الذي نزل على النبي محمد، وليس هناك ما يبرر أي شك في هذا»٣٥.

ولكنه مع هذا وقع في إشكالات خطيرة تتعلق بجمع القرآن وحفظه، وإمكان النقص فيه، فيرى أن «من الجائز أن تحدث حين جمع عثمان القرآن أو قبل ذلك، فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا»٣٦، وهذا الذي ذكره مجرد افتراض، لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فهو مناقض لما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن القرآن محفوظ، بحفظ الله له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾[الحِجر:٩]، فدلالة هذه الآية لا تقصر على مجرد نفي وجود نقص في القرآن، بل تدل على نفي إمكان النقص فيه أيضًا.

وزعمه بأن ما ذكره لا يعارض دلالة هذه الآية، حين قال: «وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾[الحِجر:٩]، فالقرآن نفسه ينصّ على إمكانية النسيان والتبديل والحذف والنسخ»٣٧، فهو خلط بين ما يحصل من نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الآيات في وقت ما، وما يحصل من النسخ والتبديل من الله تعالى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مما هو في زمن نزول الوحي، وبين ما استقر عليه القرآن بعد اكتمال الوحي وتبليغه، فلم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن محفوظ كله، معروف ناسخه من منسوخه، وانعقد على ذلك الإجماع، وبقي كما هو لم يتغير منه حرف واحد، وتناقلته الأجيال دون شك في حرف منه، كما دل على ذلك الواقع، فقد فشلت جميع محاولات تحريف القرآن٣٨.

ومن اللافت للانتباه فيما سبق أنه قال: «وهذا ما يعتقده المسلمون قديمًا وحديثًا» دون الإشارة إلى موقفه هو، وإنما حكاه بوصفه أمرًا مسلمًا عند المسلمين، وهذا يشير إلى احتمال أن يكون ذلك تسويغًا لعدم الخوض في هذا الأمر، لا دليلًا على أن ذلك غير وارد في نفس الأمر.

وهذا يجعل الاحتمال الثاني قائمًا، وهو كون الجابري يرى دخول الدين في التاريخية، ولكنه يستشكل كونه يخترق الزمنية.

ومما يقوي هذا الاحتمال كون الجابري يُسوِّغ تحاشيه النقد المباشر للدين بأنه غير مناسب للوضعية الراهنة في العالم العربي، فيقول: «إنني أشتغل بالنقد الإيبستيمولوجي وليس النقد اللاهوتي لأني لا أرى أن العالم العربي في وضعيته الراهنة يتحمل ما يمكن أن يعبر عنه بالنقد اللاهوتي»، ويضيف: «أنا لا أقول هذا تقية، بل اقتناعًا بأن المسألة مسألة تطور»٣٩.

فتبريره هذا يؤكد أن تركه لنقد الدين ليس لكون نقد الدين أمرًا خاطئًا، بل لأنه غير مقبول في الوضع الراهن.

ولهذا كان مؤدى مشروعه هو النقد الديني، ولكن من زاوية غير مباشرة، وهو ما ألمح إليه في المقارنة بين مشروعه ومشروع أركون، حين قال: «نحن جميعًا نشتغل في موضوع واحد، هو الثقافة العربية الإسلامية، ولكن لا من زاوية واحدة، بل لكل منا زاويته التي ينظر منها، وأعتقد أن تعدد زوايا النظر ووجهات النظر حول موضوع واحد شيء مهم جدًا، بل ضروري جدًا»٤٠، وبهذا تكون النتيجة واحدة وإن كانت الطريقة مختلفة٤١.

ومن كل ما سبق يتضح: سبب اختار الجابري لـ "نقد العقل العربي" بدل "الإسلامي".

وأما كيف يكون النقد؟

فيبينه بقوله: «إن عملية النقد هذه يجب أن تمارس داخل هذا العقل نفسه من خلال تعرية أسسه، وتحريك فاعليته، وتطويرها، وإغنائها بمفاهيم، واستشرافات جديدة نستقيها من هذا الجانب، أو ذاك من جوانب الفكر الإنساني المتقدم، الفكر الفلسفي، أو الفكر العلمي»٤٢.

ويلاحظ هنا دعوته إلى الاعتماد في النقد على الفكر الإنساني الذي يصفه بـ "المتقدم"، فهذا يعكس العقلانية التي يدعو إليها، وهي الاستغناء بالعقل البشري عن الوحي، بالصورة التي انتهى إليها الفكر الحداثي المعاصر للعقل٤٣، كما أن الوصف بالتقدم هو خاضع لما يمليه الفكر الغربي المعاصر، وليس عن استقلال فكر حقيقي.

ويستعير الجابري في نقده (الإبستميه) للفرنسي (ميشيل فوكو)، ويقصد بها النظام المعرفي الذي يسيطر على التفكير في مرحلة تاريخية أو بيئة معينة، بتعبير فوكو هي: «مجموع العلاقات التي بإمكانها أن توجد في فترة معينة بين الممارسات الخطابية التي تفسح المجال أمام أشكال إبستمولوجية»٤٤، وبعبارة أخرى هي: «مجموع العلاقات التي يمكننا الوقوف عليها في فترة ما بين العلوم حينما نحلل مستوى انتظاماتها الخطابية»٤٥.

فيوظف الجابري هذه النظرية في تحديد العقل العربي المكوَّن، فيصفه بأنه «النظام المعرفي القائم الذي يؤسس المعرفة وكيفية إنتاجها داخل الثقافة العربية»٤٦.

ويوضح المقصود بـ(النظام المعرفي) بأنه: «هو جملة من المفاهيم والمبادئ والإجراءات تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما؛ بنيتها اللاشعورية، ويمكن اختزال هذا التعريف كما يلي: النظام المعرفي في ثقافة ما، هو بنيتها اللاشعورية»٤٧.

ويصرح في الحاشية بهذه الاستعارة من (فوكو) فيقول: «واضح أننا نستوحي هنا، على صعيد التعريف، ميشال فوكو، كما سيلاحظ القارئ المطلع على أعمال هذا المفكر الفرنسي. ولكن لا نحذو حذوه، حذو النعل بالنعل كما يقال، بل نتلمس لعملنا مفاهيمه وتوجيهاته من طبيعة موضوعه الخاص: الثقافة العربية»٤٨.

ومن خلال هذا المفهوم للعقل ينطلق الجابري في نقده للعقل العربي، واتجه نقده لدراسته من جهتين:

الأولى: الدراسة التاريخية التكوينية؛ ليصل بها إلى أن "العقل العربي" بوصفه أداة منتجة قد تكوّن في فترة زمنية محددة، حددها بعصر التدوين؛ ما يعني أنه سيكون محكومًا بالتاريخ الذي تكوّن فيه، وهذه الخطوة يمثلها كتابه "تكوين العقل العربي" الجزء الأول من مشروعه.

والثانية: الدراسة البنيوية المعرفية؛ ليصل بها إلى أن "العقل العربي" تشكّل داخل إطار مرجعي هو الثقافة العربية الإسلامية؛ وذلك لأن «بنية العقل الذي ينتمي إلى ثقافة ما، تتشكل لا شعوريًا داخل هذه الثقافة، ومن خلالها، وتعمل بدورها وبكيفية لا شعورية –كذلك- على إعادة إنتاج هذه الثقافة نفسها؛ فلنقل: إذن، إن العقل كجهاز معرفي (فاعل وسائد) يتشكل وينتج في آن واحد، وبكيفية لا شعورية»٤٩؛ وإذا كان الأمر كذلك بالإضافة إلى كونه محكومًا بالتاريخ الذي تكوَّن فيه، فهو أيضًا محكوم بالثقافة التي أنتجته، وتلك الثقافة «لم تكن في يوم من الأيام مستقلة، ولا متعالية عن الصراعات السياسة والاجتماعية، بل لقد كانت باستمرار الساحة الرئيسية التي تجري فيها هذه الصراعات»٥٠.

فالعقل العربي -بحسب الجابري- بُنيَ وتشكّل في وحل الصراعات السياسية والاجتماعية، وهذا التفسير لتكوُّن العقل وبِنيته؛ ينطلق من التاريخية بمفهومها المادي الذي يعني أن الإنسان خاضع للمادة فهو متأثر دائمًا بالواقع المادي الذي يحيط به، وهو ما يعني إلغاء أي دافع يحرك الإنسان سوى المادة، أي إلغاء فطرية الإنسان، والجانب الروحي فيه، وإلغاء أي مصدر يمد الإنسان بالمعارف خارج المادة، وبعبارة أخرى: إلغاء الوحي المتعالي عن المادة، وحتى مع القول إن الجابري يخرج (الدين والفن والفلسفة) من تلك التاريخية – كما سبق - فإن ذلك لا يعني أنه يخرج ما سماه بالعقل العربي منها، وما هذا التفسير لتكوينه وبنيته إلا تطبيق عملي لتلك التاريخية.

المطلب الثاني: خطوات الجابري الإجرائية في نقد العقل العربي

بعد أن نقد الجابري في كتابه "نحن والتراث"٥١ الفكر العربي الحديث والمعاصر، وحكم عليه بالسلفية٥٢ التي «تنزه الماضي وتقدسه، وتستمد منه الحلول الجاهزة لمشاكل الحاضر والمستقبل»٥٣، انتقل بعد ذلك لتحديد خطوات ثلاث، شكّلت طريقته في التعامل مع التراث الإسلامي، يمكن إجمالها في النقاط التالية:

ضرورة القطيعة الإيبستيمولوجية مع الفهم التراثي للتراث:

القطيعة المعرفية مع التراث هي نتيجة طبيعية للتاريخية التي يقوم عليها الفكر الحداثي، فما دام أن الفكر في صيرورة وتحول مستمر، فلا مكان للبحث عن فكر تراثي لأنه غير ثابت أصلًا، ولذلك يرى الجابري أن محاولة التحديث من دون قطيعة كلام غير منطقي، فالدعوة إلى «تحديث العقل العربي ستظل مجرد كلام فارغ ما لم تستهدف أولًا، وقبل كل شيء، كسر بنية العقل العربي المنحدر إلينا من عصر الانحطاط٥٤»، مما يعني «إحداث قطيعة إيبستيمولوجية تامة مع بنية العقل العربي»٥٥.

لكن الجابري يرى أن القول بإلغاء التراث تمامًا طريقة فاسدة، فالقطيعة التامة مع التراث ليست مناسبة، فلا بد من قطيعة لكن ليست القطيعة مع التراث، وإنما قطيعة مع نوع من التراث، وهو ما عبّر عنه بـ«التخلي عن الفهم التراثي للتراث»٥٦، وليس «الأطروحة الفاسدة المنادية بإلقاء التراث في المتاحف وتركه هناك في مكانه في التاريخ»٥٧، ويوضحها بعبارة أخرى فيقول: «إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة مع التراث، القطيعة التي تحولنا من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث»٥٨.

وحاصل هذا المفهوم للقطيعة عند الجابري هو: رفض ما يعبر عنه بـ(سلطة السلف)٥٩، أي إلغاء (فهم السلف)، بمفهوم السلف الواسع الذي يدخل فيه مراعاة ما يدل عليه اللسان العربي في أصله؛ وذلك لأنه يريد أن يبحث في النص عن المعنى الذي يريده هو، لا عن المعنى الذي يدل عليه النص وفق مقصود قائله، فهو «يقرأ كل مشاغله في النصوص، قبل أن يقرأ النصوص»٦٠، وما هذا إلا انعكاس للتصور الحداثي الذي ينفي المعنى الحق، فليس هناك معنى حق للنصوص، لأنه ليس هناك حقيقة مطلقة، وذلك المعنى الذي كان للنص في زمان ما، ينقضي بانقضاء ذلك الزمان، ثم يكون لكل زمان ومكان أدواته ومناهجه التي يعرف بها معنى النص.

وأما كيف يحقق الجابري تلك القطيعة المعرفية؟ فهو ما يتضح في الخطوة الآتية.

فصل المقروء عن القارئ لتحقيق الموضوعية:

يرى الجابري أن الفصل بين المقروء والقارئ خطوة مهمة لتحقيق الموضوعية، أي فصل الذات عن الموضوع، ويجعل لهذه الخطوات ثلاث عمليات إجرائية٦١:

المعالجة البنيوية: وتتلخص في التعامل مع فكر صاحب النص كلًّا تحكمه مجموعة من الثوابت بحيث تكون مسوغة، أو قابلة للتسويغ من خلال ذلك الكل، فثمة نسق يجمع فكر صاحب النص يمثل البنية الداخلية للنص، والتعامل مع هذا النسق هو ما يعبر عنه بالبنيوية.

التحليل التاريخي: ويقصد به رد هذا الكل (فكر صاحب النص) إلى سياقه التاريخي بكل أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية، وهو ما يعتبره بالإضافة إلى أنه يفسر الحالة المدروسة، يختبر صحة المعالجة البنيوية السابقة من جهة إمكانها تاريخيًا.

الطرح الأيديولوجي: ويريد به كشف المضمون الأيديولوجي لهذا الفكر الذي يدرسه.

وبهذه الخطوات الثلاث يتم فصل الذات عن الموضوع، وتتحقق الموضوعية - في نظر الجابري - وهو تحقيق القطيعة مع التراث عمليًا، وإلغاء أي ارتباط بالماضي، ليبقى منقطعًا عن مؤلفه، ومقاصده الأساسية، وفهم السلف، وبهذا صار النص مجردًا عن أي تعلق، ويكون جاهزًا لقبول القراءة الحداثية، وبهذا تحقق الخطوة الأولى، لتأتي الخطوة التالية التي يتم من خلالها القراءة بصورة جديدة، وعلاقة جديدة، ليكون ذلك المقروء حداثيًا، وهذا ما يتحقق بالخطوة التالية.

وصل القارئ بالمقروء لتحقيق الاستمرارية:

وحتى لا ينقطع النص تمامًا حتى عن القراءة الحداثية، لا بد أن يكون له صلة بالقارئ الجديد حتى تتحقق استمرارية النص، لهذا الغرض يرى الجابري ضرورة أن يتصل القارئ (أي الجديد)، بالمقروء، ويقترح الجابري لتحقيق هذه الخطوة، عملية إجرائية سَمَّاها: (الحدس) بوصفها أداة يمكن من خلالها اختراق حدود اللغة والمنطق، ويفسّر حدسه هذا بأنه «رؤية مباشرة ريادية استكشافية: تستكشف الطريق، وتستبق النتائج، وسط حوار جدلي بين الذات القارئة، والذات المقروءة، يتم عبر المعطيات الموضوعية التي استخلصت خلال اللحظة الأولى من المنهج»٦٢.

ويريد الجابري بهذا الحدس ممارسة القراءة الحداثية للتراث، فيقرأ التراث باحثًا عمّا يمكن توظيفه في هموم الحداثة، مشيرًا إلى وجود جانب مخفي في التراث عند عدد من الفلاسفة، كالذي جعله الغزالي من (المضنون به على غير أهله) ولم يصلنا منه شيء، وآراء ابن سينا الحقيقية التي أشار إليها، ولم يصرح بها ... إلخ تلك الأمور المخفية، التي يريد الجابري استكشافها من خلال عملية الحدس الاستشرافي ليتمكن من الوصول إلى المسكوت عنه في المقروء، وهذه العملية هي التي تجعلنا – في نظر الجابري - معاصرين لأولئك، وتجعلهم معاصرين لنا، «ومن خلال هذه المعاصرة المتبادلة تتحقق الاستمرارية: استمرارية تقدم الوعي من خلال البحث عن الحقيقة»٦٣.

وبهذه الخطوة تتم ممارسة القراءة المتعددة، بعد أن فتح النص من خلال عملية فصل المقروء عن القارئ.

تلك هي الخطوات التي سار عليها الجابري في مشروعه "نقد العقل العربي"، ونظَّر لها في بعض كتبه الأخرى، وبخاصة مقدمة كتاب "نحن والتراث".

وإلى جانب ذلك ثمة آليات أخرى يستخدمها الجابري، في تحقيق تلك الخطوات سواء في الجانب النظري لها، أم في أثناء ممارستها عمليًّا أثناء قراءته النقدية للتراث العربي والإسلامي، وهي ما يأتي في الفقرة الآتية.

المطلب الثالث: توظيف المفاهيم المتنوعة المختلفة عند الجابري

يُعَدُّ الجابري صاحب عقلية "توظيفية" بامتياز، فمشروعه الحداثي قائم على توظيف التراث لتحقيق الحداثة، ويمارس التوظيف في سائر أعماله.

والتوظيف يعني: انتزاع المفاهيم والمصطلحات من سياقها الأصلي، واستعمالها استعمالًا خاصًا به، فعلى سبيل المثال حين تتأمل المصطلحات التي مرت فيما سبق: (القطيعة الإيبستمولوجية – التحليل التاريخي – الطرح الأيديولوجي- الحدس ...إلخ) تجد أنها لا تـخلو من عملية توظيف، إما بتعديل المفهوم وتحويره بطريقة مختلفة عنه في سياقه، أو اختراع مفهوم جديد له.

يشير الجابري إلى ذلك، فيقول: «لقد قرأت (كانط)، وقرأت (باشلار)، وقرأت (فوكو)، وقرأت غيرهم من الفلاسفة والكتّاب الأوروبيين، كما قرأت (ديكارت)، و(سبينوزا)، و(ليبنتز)، و(لوك)، و(هيومن)، وقرأت (أفلاطون)، و(أرسطو)، وقرأت أيضًا، وبدرجة أكبر (ابن خلدون)، و(الغزالي)، و(ابن رشد)، و(الفارابي)، و(ابن سينا)، و(الجويني)، و(الباقلاني)، و(الرازي)، و(الطوسي) ... والقائمة طويلة .... لا أشعر أني أنتمي إلى واحد منهم بالتخصيص، بل أشعر أنني تلميذ لهم جميعًا؛ قد تعلمت منهم جميعًا، وأهم شيء تعلمته منهم هو ما نسيته من آرائهم وتقريراتهم وطرق عملهم، إن الذي نسيته هو الذي أستعمله وأوظفه فيما أكتب»٦٤.

فتجد الجابري يقوم بتوظيف كل هؤلاء وغيرهم مع اختلاف اتجاهاتهم، ومناهجهم، ومرجعياتهم، ومجالات اهتمامهم.

ويبين ضرورة التوظيف وكيف تتم، فيقول: «إن الكلمات والمفاهيم والنظريات التي تنتمي إلى السيكولوجيا، أو الأتنوغرافيا، أو علم النفس، أو التحليل النفسي ... إلخ، هذه كلها معطيات يجب أن نوظفها لا كعلوم، بل ينبغي أن نوظفها على شكل ما تبقى في ذهننا من خلال معرفتنا لها، إذا امتلكنا هذا الذي تبقى، وأصبح لدينا مهضومًا، وصار ملكًا لنا، فإننا حينئذ نستعمله بصورة عفوية، وفي الغالب بكيفية مبدعة»٦٥، وذلك لأنه يرى: «أننا لا نستطيع أن نقوم بالبحث، وأن نخترع في نفس الوقت أدوات البحث، أعني المفاهيم، وإن أدوات البحث منها ما يستعار من علوم أخرى، ومنها ما ينشأ بالممارسة»٦٦.

ويبين كيف تتم عملية التوظيف للفكر المعاصر في مجال نقد العقل العربي، فيقول: «لا سبيل إلى التجديد، والتحديث إلا من داخل التراث نفسه، بوسائله الخاصة وإمكانياته الذاتية أولًا، أما وسائل عصرنا المنهجية والمعرفية فيجب أن نستعين بها فعلًا، ولكن لا بفرضها على الموضوع، وتطويع هذا الأخير في قوالبها، بل بالعمل على العكس من ذلك، على تطويع قوالبها بالصورة التي تجعلها قادرة على أن تمارس قدرتها الإجرائية، أعني وظيفتها كأدوات عملية»٦٧.

وفي مقابل ذلك يرى أن التراث يمكن توظيفه لخدمة الحداثة، فيرى أن من الممكن الوصول إلى نقد التراث الإسلامي من التراث نفسه، ببعث الأسئلة القديمة التي تحمل ما نريده من نقد للتراث، وفي ذلك يقول: «يمكن أن نمارس النقد اللاهوتي من خلال القدماء، أعني أن نستعيد، بشكل أو بآخر، الحوار الذي دار في تاريخينا الثقافي ما بين المتكلمين بعضهم مع بعض، وما بينهم وبين الفلاسفة، ونوظِّف هذا الحوار في قضايا عصرنا لإزالة الضباب عنها، وجعلها محل حوار»٦٨.

ويقول: «نجد أنفسنا اليوم مطالبين بتجديد طرح كثير من الأسئلة التي طرحت سابقًا، وفسح المجال لأسئلة أخرى قد تطرحها اهتمامات عصرنا الفكرية والمنهجية؛ ذلك لأنه بغير تجديد التفكير في الأسئلة القديمة، وطرح أخرى جديد لن يتأتى لنا الارتفاع بمستوى فهمنا ... إلى الدرجة التي تجعلنا معاصرين لها، وتجعلها معاصرة لنا»٦٩.

«إن الجابري يرى في فكرة "التوظيف" هذه الالتزام بمراعاة المرحلية التاريخية في إنجاح عملية التحديث وفرض الابتداء بصنع الواقع التاريخي المناسب لاستقبال الحداثة»٧٠.

ومن حيث الأسلوب، فهو صاحب أسلوب سلسل، وسرد ممتع يأخذ بالقارئ دون أن يشعر إلى النتائج التي يريد ترسيخها لدى القارئ، فيصور القضايا التي ينتقدها، والجوانب التي يريد إبرازها، بالطريقة التي يريدها، بأسلوب تحليلي، يبدو لخالي الذهن أنه توصيف محايد، حتى ينتهي به إلى النتيجة التي يريدها دون الحاجة إلى التصريح بها، وهو ما يمكن تسميته بأسلوب التوصيف الموجه، إن صح التعبير.

يشير الجابري إلى سلوكه هذا المنهج فيقول: «وكما فعلنا في أجزاء (نقد العقل العربي)، فقد فضلنا الاقتصار على (الحفر) والتحليل، والإشارة إلى ما نعتقده الحقيقة، تاركين للقارئ مهمة (التركيب)، اقتناعًا منا بأن خير نتيجة يمكن أن يحصل عليها قارئ كتبنا هي تلك التي يستخلصها بنفسه»٧١.

ويقول في نهاية أحد الفصول: «لنترك الأمر للقارئ، فقد وضعنا بين يديه ما يمكنه من استخلاص النتيجة التي يرتئيها»٧٢.

وبهذا الأسلوب سيطر الجابري على كثير من القراء الذين لم يكن عندهم فهم لما يقصده بكثير من عباراته، والمنهج الذي ينتمي إليه، والغاية التي يريدها.

ويتبين مما سبق: المنهج الذي ينطلق منه الجابري في مشروعه، والأدوات الإجرائية التي رسمها لنفسه لتحقيق أهدافه.

***

المبحث الثاني: نقد الجابري للتراث الإسلامي من خلال (بنية العقل العربي)

توطئة:

يتجه نقد الجابري –كما أشير إلى ذلك سابقًا- إلى نقد ما سماه (العقل العربي) الذي تدخل فيه العلوم الإسلامية والعربية، كما نصّ على ذلك، فقال: «إن موضوع عملي هو الثقافة العربية الإسلامية؛ أعني الثقافة التي تم بناؤها داخل اللغة العربية وبواسطتها»٧٣، ويطبق في نقدها الأدوات التي مرت في المبحث الأول.

ومن المهم هنا تأكيد ما أشار إليه الجابري في النصِّ السابق من أن اللغة العربية -برأيه- تمثِّل المركز في العقل العربي، فهي التي «ظلت هي هي منذ أربعة عشر قرنًا أو تزيد، تصنع الثقافة والفكر دون أن تصنعها الثقافة والفكر، فبقيت بذلك الجزء الأكبر تراثية في التراث – لنقل الجزء الأكثر أصالة - ومن قدسيتها»٧٤.

ويوضح مركزية اللغة عند العرب بتشبيهها بالفلسفة عند اليونان، فيقول: «إذا كانت الفلسفة معجزة اليونان، فإن علوم العربية هي معجزة العرب»٧٥، «فالعربي يحب لغته لدرجة التقديس»٧٦ هذا من جهة، ومن جهة أخرى «فإن الدين الإسلامي بقي عربيًا، ولا يمكن أن يستغني عن لغة العرب؛ لأن القرآن وهو (كتاب عربي مبين) لا يمكن نقله إلى لغة أخرى دون المساس به»٧٧.

وهذا ما سيجعل الجابري يربط العقل العربي كلَّه باللغة العربية، ويجعل العلوم الإسلامية تَبَعًا لعلوم اللغة، وهنا يوظف نظرية الألماني هردر (١٧٤٤م-١٨٠٣م) في العلاقة بين اللغة والفكر، ليوافقه -كما يقول- في «أن اللغة ليست مجرد أداة للفكر، بل هي أيضًا القالب الذي يتشكل فيه الفكر»٧٨.

فحين يبدأ بالخطوة الأولى من بحثه التي تعنى بالجانب التاريخي التكويني للعقل العربي، في كتابه "تكوين العقل العربي"، يحدد انطلاقة التشكل من عصر التدوين، الذي يمثل تدوين اللغة العربية اللبنة الأولى فيه، سواء من جهة جمع مفرداتها، أو وضع قواعدها، وبهذا كان الأعرابي – في نظر الجابري - صانع العالم العربي.

وكذلك تتابعت سائر العلوم الإسلامية في ذلك العصر (عصر التدوين)، فكان هو الإطار المرجعي للعقل العربي، لتكون «المعطيات والصراعات والتناقضات التي عرفها عصر التدوين، والتي تشكل هويته التاريخية هي المسؤولة عن تعدد الحقول الأيديولوجية، والنظم المعرفية في الثقافة العربية، كما وأنها هي المسؤولة عن تعدد المقولات وصراعها في العقل العربي»٧٩.

لينتقل بعد ذلك في كتابه "بنية العقل العربي" إلى نقد التراث الإسلامي، في مرحلتين: تتعلق الأولى منهما بتحليل الأنظمة المعرفية للعقل العربي، وهي الجزء الأكبر من كتابه، وتتمثل الثانية في توظيف التراث الإسلامي في نقد التراث، وهذا ما يتضح بإذن الله في مطالب هذا المبحث.

المطلب الأول: تحليل الجابري للجانب المعرفي في التراث الإسلامي

بعد أن انتقل الجابري في نقده للتراث إلى الخطوة المعنية بدراسة الجانب النسقي البنيوي في كتابه "بنية العقل العربي"، حلّله وفق ثلاثة أنظمة معرفية:

الأول: النظام البياني: ويتمثل في علوم العربية، والأصول، والفقه، والكلام، وهو نظام لغوي أصله عربي، وفي هذا النظام يجمع العلوم الإسلامية والعربية، ويردّها إلى اللغة على ما يأتي بيانه إن شاء الله.

الثاني: النظام العرفاني: ويتمثل في التصوف والتشيع، وهو نظام باطني، خليط من أصول فارسية، وشرقية قديمة.

الثالث: النظام البرهاني: ويتمثل في الفلسفة التي أخذها المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام من فلسفة أرسطو ولفقوها مع الإسلام، وهو نظام عقلي، أصله يوناني.

***

أولًا: النظام البياني:

يبدأ الجابري التحليل للنظام البياني بمدخل يحدد في أوله المقصود بـ(البيانيين)، وأنهم جميع المفكرين المنتمين للحضارة العربية والإسلامية، «من لغويين، ونحاة، وبلاغيين، وعلماء أصول الفقه، وعلماء الكلام، وسواء كانوا معتزلة، أو أشاعرة، أو حنبلية، أو من الظاهرية، أو من السلفيين، قدماء ومحدَثين»٨٠.

ويحدد الجابري البيانيين ليصل من خلال نصوصهم - كما يقول - إلى «الكيفية التي انتقل بها (البيان) كنظام معرفي من حالة اللاوعي، إلى حالة الوعي»٨١.

ويتوقف الجابري عند كلمة (بيان) لتحديد معناها اللغوي، لينتهي إلى أنه «يفيد الفصل والانفصال، والظهور والإظهار»٨٢، ويرتب هذه المعاني لتنسجم مع النظام المعرفي الذي يريد تحديد معالمه، فيجعل «(البيان) كمنهج يفيد الفصل والإظهار، و(البيان) كرؤية يفيد الانفصال والظهور»٨٣.

أما على مستوى الاصطلاح العلمي، فيرى أنه سلك اتجاهين٨٤:

الأول: يعنى بـ(قوانين تفسير الخطاب)، ومؤسسه الإمام الشافعي، وبذلك كان هو «المشرع الأكبر للعقل العربي»٨٥.

الثاني: يهتم بـ(شروط إنتاج الخطاب)، ومؤسسه الجاحظ الذي كان معاصرًا للشافعي.

ويرى الجابري أن العقل البياني يدور حول مفاهيم تشكِّل اهتمامه، تتمثل في عدد من الأزواج: (اللفظ/المعنى، الأصل/الفرع، الجوهر/العرض).

ويحلل الجابري الزوج (اللفظ/المعنى) انطلاقًا من خلفيته الحداثية التي تجعل العلاقة بين اللفظ والمعنى علاقة تعسفية، واستبعاد الاشتقاق الذي يجعل للألفاظ أصولًا من ألفاظ ومعان، فيتعجب من اهتمام العقل البياني بالعلاقة بين اللفظ والمعنى، سواء في النحو، أو الأصول، أو البلاغة، وحكم عليه بأنه مهتم باللغة لا بالفكر.

وهذا يعني أن دور العقل في النظام البياني، ينحصر في الجانب الإجرائي فهو أداة: (فهم واستيعاب، أو شرح واستنباط، أو تأويل واستنتاج)، فلا يكون مستقلًا بنفسه مستغنيًا عن الخطاب الشرعي.

وينتهي الجابري إلى أن (اللفظ/المعنى)، جعل النحو الذي يهتم بالألفاظ يتجاوزه إلى المعاني أيضًا، وارتباط ما هو ممكن لغة بما هو ممكن منطقيًّا، فأصبحت القواعد النحوية قواعد فكرية.

وكذلك الحال في الفقه حيث أدّى اهتمام الفقهاء باللفظ أولًا، والمعنى ثانيًا، إلى جعل التشريع على أساس دلالة اللفظ على المعنى، والاهتمام بمقاصد اللغة، وإلغاء مقاصد الشريعة، وإغلاق باب الاجتهاد.

وكذلك في علم الكلام فقد أدّى الانغماس في إشكالية اللفظ والمعنى إلى تحجيم دور العقل الذي هو أصل من أصول علم الكلام، وهذا بدوره يتضمن نسفًا لعلم الكلام.

وأدّى بعلم البلاغة إلى جر إشكالات كل من المتكلمين والفقهاء إلى ميدان البلاغة، مما جعلها خاضعة لهم.

وهذا كلُّه مبني على أنّ العقل يجب أن يستقل بالحصول على المعرفة دون الحاجة إلى الوحي؛ فاعتبر الرجوع إلى الوحي، والعناية بدلالته اللغوية، أو حتى الرجوع إلى ما عليه العرب لمعرفة المعهود العربي، تركًا للعقل، وإيقافًا لدوره الاستقلالي، وبهذا يكون (العقل البياني) عنده منحصرًا في الفهم والإفهام، والبيان والتبين، فلا يكون له دور حقيقي، في نظره! على ما يأتي تفصيله إن شاء الله.

ولا أدري كيف يكون البيان الذي هو وسيلة لإيصال الفكر (الظهور، والإظهار، والإفهام)، هو العقل نفسه الذي يصنع الفكر؟! إذا كان البيان هو الفكر فما هو المبيَّن؟! كيف لعملية البيان والتبين أن تتحول إلى مبيَّن في الوقت ذاته؟!

أما الزوج (الأصل/الفرع) فهو أيضًا مقيّد لعملية التفكير، وهذا ما يتناقض مع الفكر الحداثي الذي ينتمي إليه الجابري تمام المناقضة، فهو فكر يرفض المرجعيات، ومن هنا جعل العقل في النظام البياني محكومًا بـ(أصل)، فهو واقع تحت سلطة الأصل٨٦.

وانطلاقًا من موقف الجابري من فكرة (الأصل) يرفض (الإجماع)، الذي يمثل قانونًا تشريعيًّا في العقل البياني سواء في مجال اللغة، أو أصول الفقه، ويرى أنه مؤسس على سلطة السلف والتقليد.

كما يَعُدُّ (القياس/الاستدلال/النظر/الاعتبار) أسماء لعملية واحدة، هي: تقدير شيء على مثال شيء آخر، لوجود جامع بينهما، ويرى أن استعمال الفقهاء والنحاة للقياس هو تبرير أيديولوجي؛ لأنهم يعيدون الفرع إلى الأصل، وكذلك الحال بالنسبة للمتكلمين في استدلالهم بــ (الاستدلال الغائب على الشاهد) يضمن لهم الالتزام بالأيديولوجية التي تلتزم بالاستدلال بالمخلوقات على الخالق، وهو ما جعلهم من جهة أخرى يستبدلون لفظ (القياس) بلفظ (الاستدلال)؛ لأنه يعني تشبيه الله بالإنسان أو الطبيعة.

وينتهي إلى أن العلوم البيانية واقعة تحت وطأة إشكالية التعليل، فـ «التفكير القياسي البياني من بدايته إلى نهايته، يدور حول (العلة)، كما أن الممارسة القياسية البيانية إنما يؤسسها ويبررها اعتقاد القائس بوجود نفس (العلة) في الأصل والفرع، في الشاهد والغائب»٨٧.

ويريد أن ينتهي بذلك إلى أن عملية ربط المقيس بالمقيس عليه في العلوم البيانية قائمة على الظن لا على القطع، لأن العلة غير مصرح بها، فحاصل ما يتحقق عليه جواز القياس، في أحسن الأحوال الترجيح٨٨.

أما الزوج (الجوهر/العرض)، وهو قائم على نظرية كلامية صرفة، فيحلله الجابري، ليؤكد به نظريته عن العقل البياني كلِّه، في جانب من جوانبه، ويربط عددًا من النتائج الكلامية بهذا الزوج ليحقق بذلك الانسجام في نظريته!

***

هكذا يختزل الجابري العلوم الإسلامية، لارتباطها باللغة العربية، فيزعم أن «السلطة المرجعية الأولى الأساسية التي تحكم التفكير البياني العربي، سلطة اللغة العربية»٨٩، فيَردُّ مرجعيتها إلى اللغة وحدها، ويرد اللغة – على الطريقة المادية - إلى تلك البيئة، وذلك الواقع الذي يعيش فيه الأعرابي "صانع العالم العربي"٩٠ كما يسميه، وهذا ما سينزع عن تلك العلوم كلِّها منزلتها ومكانتها٩١.

وما قام به الجابري من تصويره لواقع العقل البياني، اختزال للعلوم الإسلامية في جانب واحد مما اعتنت به تلك العلوم.

وهذه دعاوى لم يُقِمْ عليها دليلًا، وإنما اكتفى بتصوير ذلك الواقع من خلال السرد الوصفي كما يريد أن يوصل إلى القارئ، دون التفات إلى الإشكالات الكثيرة التي ترد على تصويره هذا.

فحصر مهمة العلوم الإسلامية في الجانب اللغوي متجاهلًا ما اشتملت عليه من الاستدلالات العقلية على النبوة والوحي، وعلى حجية السنة، وما يلزم عن ذلك من الاستدلال البرهاني على وجوب الأخذ بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

وبالقفز على النتائج الكلية وعدِّها مسلَّمات، ادّعى أن عصر التدوين هو العصر الذي تَكَوَّن فيه العقل العربي، متجاهلًا الحقائق التاريخية التي تثبت أن الجانب اللغوي كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ونزول القرآن، وأن الجانب الشرعي نشأ في عصر النبوة بنزول الوحي، وبتبين النبي صلى الله عليه وسلم للأمة حقائق الدين، فجعل مجرد التدوين للعلم نشأة للعلم، وهذا معلوم البطلان.

وبالمصادرة على المطلوب ادّعى أن الفقهاء جعلوا التشريع على أساس اللغة، وألغوا مقاصد الشريعة، وهذا كله راجع إلى اختزاله العلوم الإسلامية في جانب واحد هو البيان، مع أن الواقع أن الفقهاء والعلماء منذ عصر الصحابة كانوا مهتمين بمقاصد الشريعة في استدلالهم، وتقريرهم الأحكام الشرعية، كما يعترف بنفسه بأن «فكرة اعتبار المقاصد فكرة قديمة قِدم التشريع الإسلامي نفسه»٩٢، ولكنه يتجاوز ذلك الاعتراف دون أن يقف معه وقفة حقيقية.

ثم إنه لا يعني مقاصد الشريعة النابعة من الشريعة نفسها، فما يعنيه هو وأمثاله من الحداثيين بمقاصد الشريعة أو المصالح أمر آخر، هو في حقيقته مراعاة لمصالح الناس وأهوائهم، وما يفرضه الواقع عليهم، فهو يرى أن «مقصد الشارع الأول والأخير، هو مصلحة الناس»٩٣، وتحديد مصلحة الناس سيكون وفق أصولهم الفكرية، وهو خاضع للتحديث والتطور، فـ«اعتبار المصالح يتطور بتطور المصالح»٩٤.

فما يدّعيه من الدعوة إلى مقاصد الشريعة، إنما هو مجرد توظيف لمفهوم شرعي ليضفي عليه معنى آخر بمنظوره الحداثي، كما هو الحال مع مفهوم (المصلحة)، وغيرهما من المصطلحات الشرعية.

والحاصل من كل ما سبق: أنه يريد تصوير العلوم الإسلامية والعربية، بصورة مختزلة، وغير واقعية؛ ليصل بذلك، ما يريد أن ينتهى إليه من إثبات ظنيته، في مقابل العقل البرهاني.

***

ثانيًا: النظام العرفاني:

يحدد الجابري معنى العرفان في اللغة، وأنه مشتق من مصدر (عرف)، وهو راجع إلى معنى المعرفة، كما هو الحال في أصل الكلمة في اللغة اليونانية، فهي تعني المعرفة أيضًا، واستعملت بمعنى العلم والحكمة، والمتصوفة استخدموا كلمة (عرفان) للدلالة على معنى سام من المعرفة يحصل في القلب عن طريق الكشف والإلهام، تمييزًا لها عن المعرفة المكتسبة بواسطة الحس أو العقل أو بهما٩٥.

أما حقيقة العرفان كموقف، فهو: «موقف من العالم، وموقف نفسي وفكري ووجودي، لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير، والطابع العام الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكي من وضعية الإنسان فيه، وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفردية الذاتية، وتضخيم (العارف) لـ (أنا)ه»٩٦.

ويصنف الجابري الاتجاهات العرفانية في الإسلام إلى ثلاثة اتجاهات:

الأول: اتجاه أصحاب الأحوال والشطح الذي يغلب عليه طابع المعاناة.

الثاني: اتجاه التصوف العقلي الذي يتميز بسيطرة الطابع الفلسفي كما تبلور عند الفارابي وابن سينا بخاصة.

الثالث: اتجاه الفلاسفة الإسماعيلية، والمتصوفة الباطنية الذي يتميز بالسرد الأسطوري.

وهذه الاتجاهات الثلاثة هي وحدها التي يقصدها عند ما يتكلم على العرفان.

ويرجع الجابري بمفاهيم العقل العرفاني إلى نوعين من الأزواج:

(الظاهر/الباطن) في مجال اللغة، وهو ما يقابل (اللفظ/المعنى) في العقل البياني.

(الولاية/النبوة) في مجال السياسة، وهو ما يماثل الزوج (الأصل/الفرع) في العقل البياني.

وانتهى الجابري إلى أن العرفان: موقف، ونظرية، فـ«العرفان الموقف: هو عرفان المتصوفة عامة، وأصحاب الأحوال خاصة، وأن العرفان النظرية: هو عرفان الشيعة عامة، والإسماعيليين والفلاسفة الباطنيين خاصة»٩٧.

وينتهي إلى أن العرفان يتشكل من العلوم الغنوصية٩٨ والهرمسية٩٩ الباطنية، ويقوم على الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الأسطورة التي تلغي العالم، وتنبذ العقل، وتعوضه بالكشف والبصيرة الخارقة١٠٠.

***

ثالثًا: النظام البرهاني:

يوضح الجابري المقصود بالنظام البرهاني، فيبين أن (البرهان) في اللغة العربية هو: (الحجة الفاصلة البينة)، كما يعني في اللغات الأوربية: (الإشارة والوصف والبيان والإظهار)، ويعني في الاصطلاح المنطقي: (العمليات الذهنية التي تقرر صدق قضية ما، بواسطة الاستنتاج)، والمعنى العام لكلمة (برهان) يفيد (كل عملية ذهنية تقرر صدق قضية ما)١٠١.

ويقصد بــ(البرهان) نظام معرفي تفرد بمنهج خاص، بلور نمطًا في التفكير، ورؤية محددة للعالم، يرتكزان بصورة أساسية على فكر أرسطو، ولهذا اهتم برصد التحوير والتعديل الذين تعرض لهما البرهان الأرسطي مع دخوله حقل الثقافة العربية١٠٢.

ويرى أن البرهان يتميز عن سابقيه بأن هدفه: طلب اليقين عن طريق التجربة الحسية والمحاكمة العقلية١٠٣.

ويرى الجابري أن البرهان الأرسطي بدأ يتأسس في الثقافة العربية على يد الكندي، وكان لا بد فيه من بناء تصور شامل يتم في إطاره، وبالاستناد إليه، ترتيب العلاقة بينه وبين البيان، بين النحو والمنطق من جهة، وبين الفلسفة والملة من جهة أخرى١٠٤.

لتأتي بعد ذلك مرحلة الفارابي ويؤسس المنطق والمنهج البرهاني داخل الثقافة العربية والإسلامية، مرتكزًا على المعلم الأول (أرسطو) بصفة أساسية.

يأتي بعد ذلك ابن سينا ليؤسس (العرفان) على (البرهان)، الذي يرى الجابري أنه امتداد لفلسفة الفارابي، وخروج عنها في الوقت نفسه، فتبنى هيكلها العام، وخرج بها عن الحدود التي وقف عندها الفارابي بمنظومته الفلسفية، فحولها إلى مضمون مغاير له تمامًا١٠٥.

أما الغزالي فيرى الجابري أن له فضلًا في تبيئة١٠٦ المنطق، وتوظيفه في الحقل المعرفي البياني، من خلال تصديره (المستصفى) بالمقدمة المنطقية، وتطبيقه في مجال علم الكلام، وبخاصة في (الاقتصاد في الاعتقاد)١٠٧.

إضافة إلى ما قام به من تبشير بالمنطق داخل الدائرة البيانية، من خلال كتبه المتعددة في المنطق١٠٨.

وينتهي إلى أن البرهان في المشرق العربي كان في خدمة البيان والعرفان١٠٩.

هكذا يجعل الجابري للفلسفة الأرسطية منزلة عالية بجعلها (برهانية)، وذلك لأنها تعتمد على العقل وحده، كما سيتضح مما يأتي أن هذا هو ما يبحث عنه الجابري في التراث، ليوظفه في تحديثه.

***

وعلمية النقد التي قام بها الجابري كانت منطلقة - كما يقول علي حرب - «من معايير جاهزة ومسبقة عن العقل العربي، يحاول من خلالها أن يحاكم العقل العربي. إنه يتبنى سلفًا تصورًا عن العقلانية يريد أن يقوَّم من خلالها العقلانية العربية والإسلامية؛ بينما المطلوب اكتشاف نمط المعقولية العربية؛ أي: الوقوف على نمط مقاربة العقل العربي للوجود، وعلى طريقته في طلب الحق، وعلى كيفية فهمه للأشياء، لا محاكمته من خارج، كما يفعل الجابري»١١٠.

ولذلك كان حاصل ما قام به الجابري هو الحرص على إثبات فكرة سابقة جاهزة، يريد أن ينتهي فيها إلى أن المعقولية في العقل العربي إنما تكمن في العقل البرهاني، وهذا ما يجب استلهامه.

ولذلك قام بالتقسيم الثلاثي القائم على "ازدواج المعايير" – كما يقول طه عبدالرحمن - حيث جعل المقابلة بين ثلاثة من المفاهيم المختلفة يتعلق كل قسم منها بإطار مختلف، فـ«البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية، بينما البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية، والعرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي، وبهذا يكون الجابري قد اعتمد في تقسيمه على معايرة مختلفة هي (المنطق)، وهو معيار صوري عقلي، و(اللغة) وهي صوري لفظي، و(المعرفة) وهي معيار مضموني عقلي»١١١، وتكلف بعد ذلك لإثبات انسجام هذه الطريقة التي سلكها.

والحقيقة أن المقابلة بين هذه الأنظمة هي مقابلة بين ثلاثة مناهج معرفية، منهج مرجعيته الوحي في الجملة١١٢، وهو الذي سماه بـ "العقل البياني"، ومنهج مرجعيته الكشف العرفاني، ومنهج مرجعيته العقل، وهو المنهج الفلسفي الذي سماه بـ "العقل البرهاني"، ثم استبعد المنهج العرفاني؛ لكونه ألغى العقل، ووصفه بـ "العقل المستقيل"١١٣، لتبقى المقابلة بين المنهج الفلسفي الذي يعتمد على العقل اعتمادًا كليًّا، والمنهج الشرعي الذي يرجع إلى الوحي، ومعه علوم العربية.

وإذا استبعدنا ما سماه العقل العرفاني، فكثير مما ذكره فيه صحيح، وهو منهج مرفوض شرعًا، وعقلًا١١٤؛ نجد أنه حلّل المنهجين الآخرين بصورة مضللة، ابتداءً من تسميتها، والمقابلة بينهما بأوصاف غير متقابلة، كما تقدم، فوصفه للعقل الفلسفي بـ "البرهاني" هو وصف مدح، في حين أن وصفه للمنهج الشرعي والعربي بـ"البياني" يبدو وصفًا محايدًا لا يتضمن مدحًا ولا ذمًا، والحقيقة أنه بجعله في مقابل البرهان يصير ذمًّا، لأن معنى ذلك أنه ليس برهانيًّا!

ثم إنه في تصويره للعقل البياني ردّه إلى اللغة العربية بما في ذلك الجانب الشرعي المستند إلى الوحي، وصرَف النظر عن مرجعيته الحقيقية (الوحي)، وجعله - من جهة أخرى - مجرد عقل منشغل بجوانب إجرائية: فهم الألفاظ، وتفهيمها، وربط بين أصل وفرع، ونحو ذلك، مما هو حصر للعقل في إجراءات دون أن يكون له إنتاج للأفكار والحقائق.

وهذا التصوير منه يتضمن تلبيسًا خطيرًا، فهو لا يبدو مصادمًا للوحي، ورافضًا لمرجعيته، وكونه برهانيًّا؛ حين غض النظر عنه، وركز على دور المتلقي للوحي وما يقوم به تجاهه؛ لكنه في الوقت ذاته رفض لمرجعية الوحي حين وصف المعتمِد عليه بأنه منشغل عن الإنتاج العقلي بمحاولة فهم الوحي، وعدَّ ذلك إهمالًا لدور العقل "الحقيقي"، وذلك يعني أن دور العقل الحقيقي هو الاستقلال بالمعرفة عن الوحي! كما يتضمن تجاهل استناد المتلقي للوحي في صدوره عنه على براهين عقلية تجعل الصدور عن الوحي؛ هو مقتضى الدلالة العقلية.

وفي مقابل ذلك الإعلاء من المنهج الفلسفي وأنه هو محل العقلانية في العقل العربي، مع كونه مجرد نقل للفلسفة اليونانية مع بعض التعديل عليها، وغايته البحث عمّا يمكن إبرازه في التراث الإسلامي، مما يمكن أن يوظف في نقد التراث من داخله، وتقديم الحداثة من خلال نماذج تراثية، كما يتضح في المطلب الآتي.

المطلب الثاني: توظيف الجابري للتراث في نقد التراث

بعد أن انتهى الجابري من تحليل التراث وردِّه إلى هذه الأنظمة المعرفية الثلاثة؛ انتقل بعد ذلك إلى التراث الإسلامي باحثًا فيه عن أرضية تراثيّة تصلح للتوظيف الحداثي، معتمدًا على طريقته في السرد ليصل إلى ما يريد الوصول إليه.

فيصف واقع الأنظمة المعرفية الثلاثة بأنها بعد اكتمال تكوينها منذ عصر التدوين كان بينها تداخل - كان في أول أمره جزءًا من تكوينها - ثم أدّى في القرن الخامس إلى تفجير الاصطدام بينها، مما حوَّل الأمر إلى أزمة داخلية في البيان، مما يستدعي إعادة التأسيس، أما العرفان فيرى أنه قد حقّق المصالحة مع البرهان على يد ابن سينا، كما حقّقها - في رأيه - مع البيان على يد القشيري.

وهنا تأتي عدة محاولات – بحسب الجابري - لتنقذ العقل البياني، وتحاول تأسيسه من جديد، وتربطه بالبرهان، وتلك المحاولات هي التي يلقي عليها الجابري الضوء؛ لأنها يمكن أن تكون نقطة انطلاق صالحة للتوظيف الحداثي كما سيتضح قريبًا.

وفيما يلي عرض لتلك المحاولات:

تبدأ تلك المحاولات بابن حزم الأندلسي الذي أتى – كما يرى الجابري - بمشروع جديد يرمي إلى إعادة تأسيس البيان على البرهان مع إقصاء العرفان إقصاء تامًّا.

وعَدَّ الجابري ابن حزم هو من أكمل نضج "أصول الفقه" بكتابه: "الإحكام في أصول الأحكام"، لكونه خرج عن تقليد الأئمة، مقترحًا طريقةً جديدةً في إعادة تأسيس الأصول وتأصيلها١١٥.

وذلك لأنه لا يرى ظاهرية ابن حزم «نصيَّة متشددة تضيّق مجال العقل»، وإنما لأنها «نزعة عقلية نقدية تتمسك بالنص، وبالنص وحده، فيما ورد فيه نص، وهو قليل ومحصور، كما يقول ابن حزم نفسه، أما الباقي وهو غير محصور، فهو متروك للعقل»١١٦.

وفي الوقت الذي قدَّم فيه ابن حزم مشروعه لإعادة التأسيس في مجال الفقه، يقدم ابن رشد - بحسب الجابري - «مشروعًا لإعادة تأسيس العقيدة خاصة، بالتمسك بظاهر النص أيضًا، والتعامل معه تعاملًا برهانيًّا كذلك»١١٧، من خلال نقد المذاهب العقدية، كما فعل ابن حزم مع المذاهب الفقهية.

لكن ابن رشد - كما يرى الجابري - يقفز بهذا التفكير إلى مستوى عالٍ جدًا، يوضح هذا الجابري فيقول: «وإذا كان من السهل علينا الآن أن نقول: إن فكر ابن رشد قد تحرك في نفس الإطار العام، ونفس الاتجاه النقدي الذين تحرك فيهما ابن حزم، فمن السهل كذلك أن نرى ابن رشد قد ارتفع بهذا الاتجاه، وبذلك الإطار إلى مستوى أعلى كثيرًا مما كان عليه عند ابن حزم: مستوى الفكر الفلسفي الناضج المتمكن من نفسه الواعي لنضجه، ومن هنا سيصبح التأثير الحزمي فيمن جاء بعد ابن رشد يحمل معه بصمات رشدية واضحة»١١٨.

يأتي بعد ذلك إلى الشاطبي الذي يمثل – بحسب الجابري - «قمة ما وصل إليه العقل العربي في ميدان الأصول»١١٩، ليدشِّن «نقلة إيبيستمولوجية هائلة في الفكر الأصولي البياني العربي، نقلة كانت جديرة حقًّا بأن تحقق المشروع الحزمي الرشدي: تأسيس البيان على البرهان، وذلك انطلاقًا من مركز الدائرة البيانية نفسها: علم الشريعة»١٢٠.

يأتي بعد ذلك ابن خلدون – الذي «يمثل أوج الفكر التاريخي والاجتماعي والسياسي في الثقافة العربية الإسلامية»١٢١ - بطموح أكبر، فيريد أن يجعل من التاريخ علمًا، ويؤسسه على البرهان.

وهكذا يوظف الجابري هذه النماذج مع اختلاف توجهاتها، ومجال اشتغالها، في الانفتاح على العقل والزيادة من الاعتماد عليه، وتضييق الرجوع إلى الوحي؛ وكل واحدة من هذه الخطوات تمثل لبنة فيما يريد الوصول إليه من نقد التراث من داخله، وطرح المشروع الحداثي بمرجعياته بديلًا عن المرجعية الإسلامية.

فبعد أن انتهى من عمله النقدي صرح بالمقصود من ورائه، وطرحه في مجموعة من الأسئلة: «كيف السبيل إلى التحرر من قيود هذه (الشبكة)، كيف نحرر عقلنا من سلطة اللفظ، وسلطة الأصل، وسلطة السلف، وسلطة القياس، وسلطة التجويز؟ كيف نجعل العقل العربي عقلًا مستقلًا بنفسه يختار سلطاته، يعينها، ويوظفها للسيطرة على موضوعه على العالم؟ بعبارة واحدة: كيف نحقق للذات العربية ما عبّر عنه غرامشي (الاستقلال التاريخي التام)؟»١٢٢.

إنه يرى أن المشكلة التي يعاني منها العقل العربي هي المرجعية التي سماها سلطات، والحل يكمن في التخلص من هذه المرجعية التي تحكم العقل العربي، ولكن التخلص منها لا يكون بالهروب إلى الأمام، كما يفعل من يتركها جانبًا، وينكب على فكر العصر وفلسفته وعلومه، فمثل هذه الدعوات تولد نتائج عكسية تمامًا.

«إذن، فلا سبيل إلى التجديد والتحديث ... إلا من داخل التراث نفسه، بوسائله الخاصة وإمكانياته الذاتية أولًا، أما وسائل عصرنا المنهجية والمعرفية فيجب أن نستعين بها فعلًا، ولكن لا بفرضها على الموضوع، وتطويع هذا الأخير في قوالبها، بل بالعمل على العكس من ذلك، على تطويع قوالبها بالصورة التي تجعلها قادرة على أن تمارس قدرتها الإجرائية، أعني وظيفتها كأدوات عملية»١٢٣.

وفي الجواب عن السؤال: كيف يمارس التجديد والتحديث من داخل التراث نفسه؟

يقول: «الجواب: لا جواب نهائي، إن التجديد والتحديث هما ممارسة، هما عملية تاريخية»، فالسؤال هنا عملي، وليس معرفيًّا، وجوابه الممارسة العملية المتجددة المستمرة.

ويرى أن هذا التجديد لا يبدأ من الصفر، بل لا بد من الانتظام في عمل سابق في التراث، مما يكون قابلًا لأن تنتظم فيه عملية التحديث١٢٤، وهنا يأتي دور النماذج الاجتهادية التي أبرزها (ابن حزم، وابن رشد، والشاطبي، وابن خلدون) بوصفها تمثِّل نزعة عقلية، بتوظيف سلطات معرفية بديلة، «ترجع كلها إلى سلطة العقل وحده»١٢٥.

ويختم بالتأكيد مرة أخرى على فكرة "التوظيف"، أن المقصود من الانتظام في الجوانب التي أبرزها في فكر أولئك «ليس من أجل استنساخ أفكارهم استنساخًا، ولا من أجل تبني آرائهم تقليدًا وتبعية. كلا، وإنّ ما ندعو إليه هو توظيف نزعتهم العقلانية النقدية كمنطلق يربطنا بقضايا تراثنا، لا من أجل تمجيدها أو الاغتراب فيها أو رفضها، بل من أجل نقلها إلى حاضرنا، والتعامل معها على أساس متطلبات الحاضر، وحاجة المستقبل، وبالاستناد إلى فكر العصر ومنطلقه»١٢٦.

هكذا يختم الجابري كتابه مؤكِّدًا ما تقرر سابقًا في منهجه، وهو توظيف التراث نفسه، لتحقيق التحديث، وهو ما أكَّده في مشروعه المتأخر الذي خصصه لدراسة القرآن الكريم، فقال: «كانت إستراتيجيتنا، وستبقى، تقديم قراءات لموروثنا الثقافي تفسح المجال لعملية التجديد من الداخل، العملية التي هي وحدها القادرة على إتاحة الفرصة لنا لإعادة البناء، فعلًا، العملية طويلة وشاقة، ولكنها جادة»١٢٧.

ويتضح من كل ما سبق: أن الجابري - كغيره من أصحاب الفكر الحداثي - يريد أن يصل إلى إلغاء المرجعية الإسلامية، بل كل المرجعيات، ليكون العقل وحده هو المرجع الوحيد، من خلال التدرج بتحليل العلوم الإسلامية التي جعلها مثقلة بالسلطات، وتلك السلطات لا توصل إلى اليقين، بل غاية ما يمكن أن توصل إليه - إذا سلم لها - هو الترجيح بين الظنيات، وبهذا يُلغي العلوم الإسلامية والعربية جملة وتفصيلًا.

***

الخاتمة

وفي ختام هذا البحث، أحمد الله تعالى وأشكره على ما منّ به وأكرم، فالحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وأسأله مزيدًا من فضله، ثم أجمل أبرز ما توصل إليه البحث من نتائج فيما يأتي:

خطورة مشروع الجابري تكمن في أنه لم يصادم المسلّمات الدينية مصادمة صريحة، مع نقده لها.

نقد الجابري للعقل العربي هو نقد للثقافة الإسلامية والعربية.

يركِّز الجابري في نقده على العقل البياني لمعرفته بأهميته في العلوم الإسلامية.

اعتماد الجابري في نقد العقل العربي على القول بتاريخيته بالمفهوم الفلسفي.

الجابري مع قوله بالتاريخية يستشكل تجاوز: الدين والفن والفلسفة - تبعًا للوكاتش - للزمنية.

استعمل الجابري المنهج البنيوي في قراءته للتراث.

أعمل الجابري أسلوب "التوظيف" على نحو واسع كأداة إجرائية يحقق بها أغراضه.

المناهج التي نقد بها الجابري العقل العربي مستعارة من الفكر الغربي.

يهدف الجابري إلى إلغاء التراث من خلال توظيف التراث نفسه.

يمارس الجابري التضليل للقارئ بالسردية التي يستخدمها، والإسقاط الذي ينتهجه.

مؤدى عمل الجابري النقدي نقد الدين الإسلامي، بواسطة نقد علومه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين.

    المراجع

  • ١ إشكالية تاريخية النص الديني في الخطاب الحداثي العربي المعاصر: مرزوق العمري. دار الإيمان - الرباط/ منشورات ضفاف-بيروت/ منشورات الاختلاف-الجزائر. الطبعة الأولى ١٤٣٣هـ.
  • ٢ أعلام الفكر العربي= مدخل إلى خارطة الفكر العربي: السيد ولد أباه. الشبكة العربية للأبحاث والنشر - بيروت. الطبعة الأولى ٢٠١٠م.
  • ٣ بنية العقل العربي: دارسة تحليله نقدية لنظم المعرفة العربية: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الثالثة عشرة ٢٠١٨م.
  • ٤ التاريخية أصولها الفلسفية وأثرها في الفكر العربي المعاصر: عبدالرحمن بن سعد الشهري. رسالة دكتوراه في قسم العقيدة بجامعة أم القرى ١٤٤٢هـ.
  • ٥ تاريخية القرآن في الفكر الحداثي العربي: عبدالله محمد القرني. مركز تكوين. الطبعة الأولى ١٤٣٩هـ.
  • ٦ تجديد المنهج في تقويم التراث: طه عبد الرحمن. المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء/بيروت. الطبعة الثانية ٢٠٠٥م.
  • ٧ التراث والحداثة: دراسات ومناقشات: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الثالثة ٢٠٠٦م.
  • ٨ تكوين العقل العربي: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الرابعة عشرة ٢٠١٩م.
  • ٩ جمع القرآن الكريم، حفظًا وكتابةً: علي بن سعيد العبيد. بحث منشور على الإنترنت، دون بيانات نشر.
  • ١٠ الحداثة وما بعد الحداثة: بيتر بروكر، ترجمة: عبد الوهاب علوب. منشورات المجمع الثقافي - أبو ظبي. الطبعة الأولى ١٩٩٥م.
  • ١١ الحداثة وموقفها من السنة: الحارث فخري عيسى عبدالله. دار السلام - مصر. الطبعة الأولى ١٤٣٤هـ.
  • ١٢ حفريات المعرفة: ميشال فوكو. ترجمة: سالم يفوت. المركز الثقافي العربي. الطبعة الثانية ١٩٨٧م.
  • ١٣ حفريات في الذاكرة من بعيد: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الأولى ١٩٩٧م.
  • ١٤ الخطاب المقاصدي في الفكر العربي المعاصر دراسة نقدية: فهد بن محمد الخويطر. تكوين للدراسات والأبحاث – السعودية - الخبر. الطبعة الأولى ١٤٣٩هـ.
  • ١٥ الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية: قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر: عبدالله بن محمد الغذامي. النادي الأدبي الثقافي -جدة. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.
  • ١٦ دراسات معرفية في الحداثة الغربية: عبد الوهاب المسيري. مكتبة الشروق الدولية. الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م.
  • ١٧ دليل الناقد الأدبي: ميجان الرويلي وسعد البازعي. المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء/ بيروت. الطبعة الثانية ٢٠٠٢م.
  • ١٨ روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية: طه عبدالرحمن. المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء/بيروت. الطبعة الأولى ٢٠٠٦م.
  • ١٩ السلفية وقضايا العصر: عبد الرحمن بن زيد الزنيدي. مركز الدراسات والإعلام/دار أشبيليا -الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ.
  • ٢٠ عقلنة الأسطورة قراءة نقدية للتناقض المنهجي في أصول عقيدة الشيعة الاثني عشرية «الغيبة الكبرى نموذجًا»: عبدالله بن نافع الدعجاني. مركز للدراسات والأبحاث - المملكة العربية السعودية – الخبر. الطبعة الأولى ١٤٣٥ه / ٢٠١٤م.
  • ٢١ مداخلات: مباحث نقدية حول أعمال: محمد عابد الجابري، حسين مروه، هشام جعيط، عبدالسلام بنعبدالعالي، سعيد بنسعيد: علي حرب.
  • ٢٢ مدخل إلى القرآن الكريم الجزء الأول في التعريف بالقرآن: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الأولى ٢٠٠٦م.
  • ٢٣ مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول، في التعريف بالقرآن الكريم: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الأولى ٢٠٠٦م.
  • ٢٤ المدخل لدراسة القرآن الكريم: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة. مكتبه السنة – القاهرة. الطبعة الثانية ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م.
  • ٢٥ المرايا المحدبة من البنوية إلى التفكيك: عبدالعزيز حمودة. عالم المعرفة. ١٩٩٨م.
  • ٢٦ المسألة الثقافة في الوطن العربي: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت. الطبعة الثانية ١٩٩٩م.
  • ٢٧ المعجم الفلسفي (بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية):جميل صليبا. الشركة العالمية للكتاب – بيروت. ١٤١٤ هـ.
  • ٢٨ مقال: شعار (تاريخية النص) ليس هو الحل: محمد عابد الجابري. منشور على موقع الجابري.
  • ٢٩ مناهج الفكر العربي المعاصر في دراسة قضايا العقيدة والتراث: شاكير أحمد السحمودي. مركز التأصيل للدراسات والبحوث - الطبعة الأولى ١٤٣١هـ - ٢٠١٠ م.
  • ٣٠ مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني. مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه. الطبعة الثالثة.
  • ٣١ منهج الاستدلال في الإسلام بين تأصيل الشافعي ونقد الحداثيين: عبدالله بن أحمد الأنصاري. مكتبة مسك للنشر والتوزيع - الأردن – عمّان. الطبعة الأولى ١٤٤٦هـ.
  • ٣٢ الموسوعة الفلسفة: عبدالرحمن بدوي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر -بيروت. الطبعة الأولى ١٩٨٤م.
  • ٣٣ موقف الفكر الحداثي العربي من أصول الاستدلال دراسة تحليلية نقدية: محمد حجر القرني. مجلة البيان - مركز البحوث والدراسات. الطبعة الأولى ١٤٣٤هـ.
  • ٣٤ موقف الفكر الحداثي من الاستدلال العقلي دراسة تحليلية نقدية: حسين بن علي بن سالم الهمامي. مجلة العلوم الشرعية - جامعة القصيم - المجلد (١٨) - العدد (٤) - رمضان ١٤٤٦هـ/ مارس ٢٠٢٥م.
  • ٣٥ نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي: محمد عابد الجابري. المركز الثقافي العربي. الطبعة السادسة ١٩٩٣م.
  • ٣٦ نقد الحداثة: آلان تورين، ترجمة أنور مغيث. المجلس الأعلى للثقافة. ١٩٩٧م.
  • ٣٧ نقد النص: علي حرب. المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء / بيروت. الطبعة الثالثة ٢٠٠٠م.
  • ٣٨ وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر: محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت - لبنان. الطبعة الأولى ١٩٩٢م.

الهوامش

  1. انظر: حفريات في الذاكرة، الجابري، أعلام الفكر العربي المعاصرة، السيد ولد أباه (١٦٢-١٦٩)، موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام، محمد حجر القرني (٢٦-٣١). ---^
  2. الفكر الحداثي: هو فكر يمثل مرحلة من مراحل الفكر الغربي، نقله بعض المفكرين العرب وأرادوا تطبيقه في العالم العربي، ينتمي إلى الفكر العلماني من حيث الأصول الفلسفية، واعتبار الدين عائقًا أمام النهضة والتقدم، لكنه يتميز عن التيارات العلمانية بأنه يرى أن نقد الدين يتم من الداخل لا من الخارج، بمعنى أن يعيد تأويل الدين والتراث الديني بما يحقق أهداف الحداثة، والخروج عن التقيد بالدين. انظر: الحداثة وما بعد الحداثة، بيتر بروكر، ترجمة: عبدالوهاب علوب (٩)، نقد الحداثة، آلان تورين، ترجمة: أنور مغيث. (١٩)، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، المسيري (٣٣)، روح الحداثة، طه عبدالرحمن (٢٣)، دليل الناقد الأدبي، البازعي والرويلي (٢٢٤)، الحداثة وموقفها من السنة، الحارث فخري (٢٧-١١١). ---^
  3. انظر: حفريات في الذاكرة (١٧٦). ---^
  4. انظر: حفريات في الذاكرة (٢٣٦). ---^
  5. انظر: حفريات في الذاكرة (٢٣١). ---^
  6. نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي فولتير (١٦٩٤-١٧٧٨م)، أحد فلاسفة عصر التنوير، ونقاد الكتاب المقدس. ---^
  7. التراث والحداثة، الجابري (٢٦٠). ---^
  8. انظر: تكوين العقل العربي، الجابري (٦). ---^
  9. انظر: دليل الناقد الأدبي (٦٧-٧٦)؛ المرايا المحدبة، عبدالعزيز حمودة؛ الخطيئة والتكفير، الغذامي؛ مناهج الفكر العربي المعاصر، شاكير السحمودي (٦٥-٩٨). ---^
  10. التراث والحداثة، الجابري (٣٢). ---^
  11. تكوين العقل العربي (٥). ---^
  12. تكوين العقل العربي (١١). ---^
  13. تكوين العقل العربي (١٣). ---^
  14. تكوين العقل العربي (١١). ---^
  15. تكوين العقل العربي (١١). ---^
  16. تكوين العقل العربي (١٥). ---^
  17. في كتابه: "العقل والمعايير" (16-17، ١٨٧، ٢٢٨) كما نقل عنه الجابري، وهو باللغة الفرنسية. وانظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا (٢/٨٩). ---^
  18. تكوين العقل العربي (١٥). ---^
  19. تكوين العقل العربي (١٦). ---^
  20. تكوين العقل العربي (٢٦). ---^
  21. تكوين العقل العربي (١٦). ---^
  22. تكوين العقل العربي (١٦). ---^
  23. انظر: تاريخية القرآن في الفكر الحداثي، عبدالله القرني (٢٥)، ويراجع في تفصيل ذلك: إشكالية تاريخية النص الديني، مرزوق العمري، التاريخية أصولها الفلسفية وأثرها في الفكر العربي المعاصر، عبد الرحمن الشهري، رسالة دكتوراه في قسم العقيدة بجامعة أم القرى ١٤٤٢هـ. ---^
  24. نقد النص، علي حرب (٦٥). ---^
  25. انظر: تاريخية القرآن في الفكر الحداثي، القرني (١٦-١٧). ---^
  26. نحن والتراث، الجابري (٢٩). ---^
  27. يصفه الجابري بأنه: "أحد الماركسيين المستقلين المجتهدين". ---^
  28. مقال: شعار (تاريخية النص) ليس هو الحل، منشور على موقع الجابري، ونقله عن لوكاتش من كتاب: التاريخ والوعي الطبقي، الترجمة الفرنسية (٢٧٠-٢٧١). ---^
  29. انظر: تاريخية القرآن في الفكر الحداثي، عبدالله القرني (٣٣-٣٤). ---^
  30. التراث والحداثة دراسات ومناقشات، الجابري (٣٣١). ---^
  31. التراث والحداثة دراسات ومناقشات، الجابري (٣٣٠). ---^
  32. المسألة الثقافة في الوطن العربي، الجابري (٢٧٩). ---^
  33. المسألة الثقافة في الوطن العربي، الجابري (٢٧٩). ---^
  34. المسألة الثقافة في الوطن العربي، الجابري (٢٧٩). ---^
  35. المسألة الثقافية في الوطن العربي، الجابري (٢٨٠). ---^
  36. مدخل إلى القرآن الكريم، الجابري (٢٣٢). ---^
  37. مدخل إلى القرآن الكريم، الجابري (٢٣٢). ---^
  38. انظر: تاريخية القرآن في الفكر الحداثي العربي، القرني (٥٧-٥٩)، جمع القرآن الكريم حفظًا وكتابةً، على العبيد، البرهان في علوم القرآن، الزركشي (١/ ٢٣٣)، مناهل العرفان في علوم القرآن، الزرقاني (١/ ٢٣٩). المدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة (٢٦٠). ---^
  39. التراث والحداثة دراسات ومناقشات، الجابري (١٣١-١٣٢). ---^
  40. التراث والحداثة، الجابري (٣٢١)، وانظر: نقد النص، علي حرب (١١٦). ---^
  41. انظر: موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال في الإسلام، محمد القرني (٣١٠-٣٣١)، منهج الاستدلال في الإسلام بين تأصيل الإمام الشافعي ونقد الحداثيين، عبدالله الأنصاري (١٥٤-١٥٧، ١٦٥-١٧١). ---^
  42. تكوين العقل العربي، الجابري (١٦). ---^
  43. انظر: موقف الفكر الحداثي من الاستدلال العقلي، الهمامي. ---^
  44. حفريات المعرفة، ميشيل فوكو (١٨٣). ---^
  45. حفريات المعرفة، ميشيل فوكو (١٨٣). ---^
  46. تكوين العقل العربي، الجابري (٣٧). ---^
  47. تكوين العقل العربي، الجابري (٤٠). ---^
  48. تكوين العقل العربي، الجابري (٥٥). ---^
  49. تكوين العقل العربي، الجابري (٤٠). ---^
  50. تكوين العقل العربي، الجابري (٦). ---^
  51. انظر: نحن والتراث، الجابري (١٩-٢٦). ---^
  52. السلفية في الخطاب الحداثي تعني كل ما هو رجوع إلى الماضي بصرف النظر عن ذلك الماضي، والجابري يدخل أطيافًا متعددة في السلفية. انظر: نحن والتراث (١٩)؛ السلفية وقضايا العصر، الزنيدي (٣٤-٤٧). ---^
  53. نحن والتراث (١٩). ---^
  54. هنا يصف الجابري العصر الذي نشأت فيه العلوم الإسلامية كما يقرر هو، وهو عصر التدوين، بأنه عصر انحطاط!، وهذا الوصف إنما هو وفق معايير الفكر الغربي الحداثي المعاصر الذي ينتمي إليه، ويراه في كمال التقدم والرقي، وهو وإن تقدم من الناحية المادية إلا أنه في غاية الانحطاط من الناحية الدينية والأخلاقية، والتيه في البحث عن المعنى والحقيقة. وهو وصف يبين منزلة التراث الإسلامي عند الجابري، وإن تظاهر بأنه يحترمه ويدعو إلى الإفادة منه، وما يدعيه من أن دعوته إلى تجاوزه ليست إلغاءً تامًّا له! بل هو في الحقيقة نوع من الانسجام مع المرحلة لا تقرير لحقيقة يعتقدها، كما تقدم. ---^
  55. نحن والتراث (٢٠). ---^
  56. نحن والتراث (٢١). ---^
  57. نحن والتراث (٢٠). ---^
  58. نحن والتراث (٢١). ---^
  59. انظر: بنية العقل العربي، الجابري (١٠٩) وما بعدها. ---^
  60. نحن والتراث، الجابري (٢٣). ---^
  61. انظر: نحن والتراث (٢٤). ---^
  62. نحن والتراث (٢٥). ---^
  63. نحن والتراث (٢٦). ---^
  64. التراث والحداثة، الجابري (٣٢٢). ---^
  65. التراث والحداثة (٢٨٥). ---^
  66. التراث والحداثة (٢٨٥). ---^
  67. بنية العقل العربي (٥٦٨). ---^
  68. التراث والحداثة دراسات ومناقشات، الجابري (١٣١-١٣٢). ---^
  69. مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول، الجابري (٢٢-٢٣). ---^
  70. موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال، القرني (٣١). ---^
  71. مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول، الجابري (٤٢٨). ---^
  72. مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول، الجابري (١٤٦). ---^
  73. التراث والحداثة، الجابري (٣٣٠). ---^
  74. نحن والتراث، الجابري (٢٢). ---^
  75. تكوين العقل العربي، الجابري (٨٠). ---^
  76. تكوين العقل العربي (٧٥). ---^
  77. تكوين العقل العربي (٧٥). ---^
  78. تكوين العقل العربي (٧٧). ---^
  79. تكوين العقل العربي (٧١). ---^
  80. بينة العقل العربي (١٣). ---^
  81. بينة العقل العربي (١٤-١٥). ---^
  82. بينة العقل العربي (٢٠). ---^
  83. بينة العقل العربي (٢٠). ---^
  84. انظر: بينة العقل العربي (٢٠) وما بعدها. ---^
  85. بينة العقل العربي (٢٢). ---^
  86. انظر: بنية العقل العربي (١١٣). ---^
  87. بنية العقل العربي (١٥٨). ---^
  88. انظر: بنية العقل العربي (١٧٢-١٧٣). ---^
  89. بنية العقل العربي (٢٤١). ---^
  90. انظر: تكوين العقل العربي (٧٥). ---^
  91. انظر: موقف الفكر الحداثي من أصول الاستدلال (٣١٣). ---^
  92. وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، الجابري (٥٧). ---^
  93. وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، الجابري (٥٨). ---^
  94. وجهة نظر نحو إعادة بناء قضايا الفكر العربي المعاصر، الجابري (٥٩)، وانظر للتوسع في نقد هذا الجانب: الخطاب المقاصدي في الفكر العربي المعاصر، فهد الخويطر. ---^
  95. انظر: بنية العقل العربي (٢٥١). ---^
  96. بنية العقل العربي (٢٥٥). ---^
  97. بنية العقل العربي (٣٧١). ---^
  98. الغنوص أو "الغنوسيس": كلمة يونانية معناها اللغوي: "المعرفة"، ومعناها الاصطلاحي: «التوصل بنوع من الكشف إلى المعارف العليا، أو هو تذوق تلك المعارف تذوقًا مباشرًا بأن تلقى في النفس إلقاء، فلا تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية». انظر: نشأة الفكر الفلسفي، النشار (١/١٨٦-٢٢٣)، وموسوعة الفلسفة، بدوي (۸۸/۲)، و«الغنوصية مزيج من الأفكار الفلسفية والدينية: الشرقية والغربية فهي مذهب تلفيقي ورؤية مختلطة، إلا أنها تؤكد على إمكان الاتصال المباشر بالإله عبر المعرفة الباطنة، ولذلك كانت سندًا فلسفيَّا للتيارات الداعية إلى الاتصال المباشر بالألوهية». عقلنة الأسطورة، عبدالله الدعجاني (٦٥). ---^
  99. "يطلق اسم الهرمسية على جملة من النظريات التي يعتقد أنها ترقى إلى كتب مصرية قديمة تسمّى بكتب (طاط) المثلث العظمة، وهي مدونة في كتب يونانية لا يعرف تاريخها ولا أصلها، وهرمس هو الاسم الذي أطلقه اليونان على الإله المصري (تحوت) وسماه الأفلاطونيون المحدثون هرمس المثلث العظمة". المعجم الفلسفي، صليبا (٢/ ٥١٩). انظر: موسوعة الفلسفة، بدوي (٥٣٨/٢)، وبنية العقل العربي، الجابري (٢٥٢)، وتكوين العقل العربي (١٧٥)، وعقلنة الأسطورة، الدعجاني (٧١). ---^
  100. انظر: بنية العقل العربي (٣٧٢-٣٧٩). ---^
  101. انظر: بينية العقل العربي (٣٨٣). ---^
  102. انظر: بينية العقل العربي (٣٨٣). ---^
  103. انظر: بينية العقل العربي (٣٨٤). ---^
  104. انظر: بنية العقل العربي (٤١٨). ---^
  105. انظر: بنية العقل العربي (٤٤٩). ---^
  106. المقصود: نقله إلى البيئة الإسلامية، وتكييفه معها. ---^
  107. انظر: بنية العقل العربي (٤٣٨). ---^
  108. انظر: بنية العقل العربي (٤٣٦). ---^
  109. انظر: بنية العقل العربي (٤٧٧-٤٨٢). ---^
  110. مداخلات، علي حرب (٢٨). ---^
  111. تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبدالرحمن (٥٠). ---^
  112. وإنما قلت في "الجملة"، لأنه يتضمن مناهج بدعية مخالفة للوحي، لكنها تعد مرجعًا لها، كما يشمل علوم العربية التي لا تعتمد على الوحي بالكلية، وإن كان من مصادرها. ---^
  113. انظر: تكوين العقل العربي (١٦٢) وما بعدها. ---^
  114. انظر في ذلك: عقلنة الأسطورة، عبدالله بن نافع الدعجاني. ---^
  115. انظر: بنية العقل العربي (٥١٣-٥١٥). ---^
  116. بنية العقل العربي (٥٢٨). ---^
  117. بنية العقل العربي (٥٣١). ---^
  118. بنية العقل العربي (٥٣٦). ---^
  119. بنية العقل العربي (٥٣٨). ---^
  120. بنية العقل العربي (٥٤٧). ---^
  121. بنية العقل العربي (٥٣٨). ---^
  122. بنية العقل العربي (٥٦٧). ---^
  123. بنية العقل العربي (٥٦٨). ---^
  124. بنية العقل العربي (٥٦٨-٥٧٢). ---^
  125. بنية العقل العربي (٥٦٧). ---^
  126. بنية العقل العربي (٥٧٢). ---^
  127. مدخل إلى القرآن الكريم: الجزء الأول، الجابري (٤٢٨). ---^