المقدمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واهتدى بهديه.
أما بعد:
يعاني الواقع المعرفي المعاصر من تحوّلات كبيرة ومتسارعة، أعادت طرح سؤال اليقين المعرفي في صيغ متعددة، في ظل انفتاح غير مسبوق للمعلومات، وتداخل المصادر، وتنامي تأثير الوسائط الرقمية مع ضعف معايير التحقق وارتباكها، ولم يعد الإشكال مقتصرًا على مساءلة المصادر المعرفية، وأولوية بعضها على بعض، وحدود العلاقة بينها في إنتاج اليقين، بل امتد إلى إمكان المعرفة اليقينية نفسها، ووضع الضروريات المعرفية من معطيات حسية، وبديهيات عقلية، موضع المساءلة والاختبار والاستدلال، وفضلا عن هذه الحالة الراهنة فقد شهد التاريخ الإنساني سجالًا فلسفيًا قديمًا بين أنصار الشك واليقين، فضلًا عما شهده من سجال بين الاتجاهات العقلانية والمادية الحديثة، وانعكاسات ذلك كله على الموقف من الحقيقة، وإمكان الوصول إليها، ومدى قيمتها.
ومن هنا فإن دراسة حقيقة اليقين المعرفي، وتأصيل قواعده المنهجية لا يُعد ترفًا نظريًا، بل ضرورة منهجية تمليها طبيعة المرحلة، وتفرضها الحاجة إلى ضبط مسار المعرفة وتوجيهها نحو الحقيقة في إطار من الانضباط والاتساق، وإعادة بناء الثقة في المعرفة، وتحصين الوعي من الانزلاق إلى النسبية المفرطة أو التسليم غير النقدي.
وإن من أسوأ صور العقوق للحقيقة أن يتم تناول هذا الموضوع بمعزلٍ عما قدمه الإسلام، فالإسلام لم يطرح مجرد إجابات جزئية على الأسئلة المعرفية، بل إنه قدم نسقًا معرفيًا متكاملًا، ترتبط فيه الرؤية الوجودية والمعرفية والقيمية في اتساق عجيب، وأعاد ترتيب العلاقة بين المصادر المعرفية دون إقصاء، وبما يضمن هيمنة الوحي المعصوم على إنتاج المعرفة، باستحضار الأبعاد المتعددة للإنسان والتي تترك آثارها واضحة في عملية الإدراك. وبناء على ما سبق، يأتي هذا البحث الموسوم بـ "اليقين المعرفي حقيقته وقواعده المنهجية في الإسلام -دراسة ثقافية-" ليسهم في توجيه مسار المعرفة، وتجاوز الإشكالات التي أفرزتها التحولات المعرفية الحديثة، سائلة المولى عز وجل التوفيق والسداد.
أهمية الموضوع وأسباب اختياره: دفعني لاختيار هذا الموضوع -فضلا عما ورد في المقدمة- جملة من الأسباب، من أهمها:
التباس مفهوم اليقين المعرفي -بما هو حالة إدراكية- بغيره من المفاهيم المنتمية للحقل الدلالي نفسه، كالعلم والمعرفة، والتباس مفهوم اليقين المطلق باليقين الذاتي، إلى غير ذلك من صور اللبس الدلالي التي تتسبب في غموض الدالّ وضياع حقيقته، الأمر الذي يحتم الكشف عن حقيقة اليقين المعرفي، من خلال الكشف عن مفهومه وخصائصه.
الحاجة إلى تأصيل القواعد المنهجية الراسخة لليقين المعرفي، بما يسهم في ضبط عمليات الإدراك والحكم والاستدلال، ويحدّ من مداخل الخطأ.
إبراز فضل الإسلام وتميزه في بناء نظرية متكاملة لليقين المعرفي، بما يثري النقاش المعرفي المعاصر حول الموضوع.
الإسهام في توجيه البحث العلمي المنطلق من الثقافة الإسلامية بما يخدم المعرفة الإنسانية في مجال فلسفة العلم والمناهج البحثية، بما يعزز الثقة في مخرجاته، ويقوي صلته بالواقع.
مشكلة البحث: تنبثق مشكلة هذا البحث من الجهل بموقف الإسلام من اليقين المعرفي، والقواعد المنهجية التي يتأسس عليها، وخصوصيته الثقافية في معالجة مصادر المعرفة، وطرائق الاستدلال، ومداخل الخطأ المعرفي، وما ترتب عليه من إعلاء لقيمة الشك بوصفه أصلًا معرفيًا مهيمنًا، مع ضعف العناية بتحرير حقيقة اليقين المعرفي وحدوه تبعا للمجالات المعرفية الممكنة.
أسئلة البحث: يسعى البحث إلى الإجابة عن سؤالين مركزيين مؤداهما:
ما حقيقة اليقين المعرفي؟
ما القواعد المنهجية التي قررها الإسلام لتحصيله والمحافظة عليه؟
أهداف البحث:
بيان حقيقة اليقين المعرفي.
الكشف عن القواعد المنهجية لليقين المعرفي في الإسلام.
الدراسات السابقة:
بعد الاطلاع على الدراسات ذات الصلة بالموضوع لم أقف -في حدود بحثي واطلاعي- على من أفرد موضوع: حقيقة اليقين المعرفي وقواعده المنهجية في الإسلام، وتوجد دراسات ومقالات متفرقة اقتصرت على تحرير المفهوم فحسب، وأخرى قاربت القواعد المنهجية من ناحية سلوكية تزكوية، مع عدم اقتصارها على هذا الجانب، أما هذه الدراسة فتعد مقاربة في نظرية المعرفة ترتكز على تحرير حقيقته، واستخلاص قواعده المنهجية، ضمن إطار نظرية المعرفة وفي ضوء النصوص الشرعية.
منهج البحث:
اقتضت طبيعة الموضوع أن يبحث بالمناهج العلمية الآتية:
المنهج التأصيلي: وهو منهج متبع في الدراسات الشرعية يعتمد على الاستنباط من الأصول، ويظهر في تأصيل مفهوم اليقين وردّه إلى معانيه اللغوية.
المنهج الوصفي: وهو المنهج الذي يعتمد على عرض المادة عرضاً موضوعيا ً كما هي عليه في الواقع، ويظهر في عرض خصائص اليقين المعرفي.
المنهج التحليلي: وهو المنهج الذي يعمل على تحليل الأفكار والمواقف وتفسيرها وشرحها، ويظهر في تحليل القواعد المنهجية لليقين المعرفي في الإسلام.
خطة البحث:
ينتظم هذا البحث في مقدمة ومبحثين وخاتمة على النحو الآتي:
المبحث الأول: حقيقة اليقين المعرفي في الإسلام، وفيه مطلبان:
دلالات اليقين المعرفي في الإسلام.
خصائص اليقين المعرفي في الإسلام.
المبحث الثاني: القواعد المنهجية لليقين المعرفي في الإسلام، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: إمكان اليقين المعرفي في الإسلام وحدوده.
المطلب الثاني: تعدد مصادر اليقين المعرفي في الإسلام وتكاملها.
المطلب الثالث: سلامة المناهج الاستدلالية وتكاملها.
المطلب الرابع: تكامل الأبعاد النفسية والعملية والعلمية في تحقيق اليقين المعرفي.
المبحث الأول: حقيقة اليقين المعرفي في الإسلام
المطلب الأول: دلالات اليقين المعرفي في الإسلام.
أولاً: اليقين.
تتباين الدلالات الوضعية للفظة الواحدة في مدى اتساعها وضيقها، فقد تتسم الدلالة اللغوية للفظةٍ ما بالسعة والشمول، فتضيّقها الدلالة الاصطلاحية، أو الدلالة الدينية التي تكتسب خصوصيتها من النصوص الشرعية، وبالمثل قد تتسم الدلالة الفلسفية بمزيد من التضييق النابع من الصرامة المنهجية للفلسفة، ومن ثَمّ فقد تمثل كل دلالة من هذه الدلالات طبقة من طبقات المعنى التي قد تتداخل مع غيرها دون أن تتطابق معها، مما يقتضي الوعي بالفوارق الدقيقة بينها عند البحث والتحليل، وهذا هو السياق الذي سيتم فيه التعريف بلفظة اليقين في هذا البحث -بإذن الله-
١-الدلالة اللغوية
تعود لفظة "اليقين" إلى الجذر اللغوي "يَقَن" ويفيد معنى: الاستقرار، من يَقَنَ الماء في الحوض، أي: استقر١، ويُوصف به العلم، فيقال: علمٌ يقين، أي: مستقر، وهذا الاستقرار له مظهران: مظهر علمي يتمثل في زوال الشك، ومظهر نفسي يتمثل في السكون والاطمئنان والثقة، وبه يرتفع العلم عن مجرد المعرفة والدّراية إلى مرتبة الثبات والجزم وانتفاء الريب؛ ولذا يقال: علمٌ يقين ولا يقال: معرفة يقين٢.
٢- الدلالة الاصطلاحية العامة:
عُرِّف اليقين عموماً باعتبارات عدة، منها:
باعتبار طريقه: فقد قيل فيه: "العلم الحاصل عن نظر واستدلال"٣، ويفيد هذا التعريف بأن اليقين عملية مركبة، تحصل عبر تأمل عقلي وتسلسل من المقدمات إلى النتائج، غير أن هذا لا يلزم في كل حال، بل إن من اليقين ما هو حدسي مباشر لا يحتاج إلى استدلال مثل البديهيات العقلية، أو ما يعرف بالقبليات، كاليقين بأن الكل أكبر من الجزء، ونحوه.
باعتبار صفته: وقد وردت تعريفات كثيرة بهذا الاعتبار، منها: أنه: (اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال) ٤، وقوله: (مطابقاً للواقع) إنما يختص به اليقين الصادق؛ لأن الإنسان قد يجزم بأمر لا يقبل التشكيك فيه، وهو على يقين منه، ولكنه مخطئ، فلا يقال: إنه ليس بموقن، بل هو عند نفسه موقن، وعند غيره جاهلًا جهلًا مركبًا، أما قوله: (غير ممكن الزوال) فلا يتناول كل أنواع اليقين، فإن من اليقين ما قد يزول، ولو كان يقينًا صادقًا مطابقًا للواقع، كالإيمان الاعتقادي، وهذا أمر معروف يشهد به واقع الحال، وتشهد له النصوص الشرعية، ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء"٥، كما يشهد له قوله جل جلاله حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ﴿وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥﴾٦، وقد أخرج الطبري بسنده عن إبراهيم التيمي أنه كان يقصُّ ويقول في قصصه: (من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم!)٧
ومنها أنه: (عدم احتمال النقيض، أي عدم احتماله لا في نفس الأمر، ولا عند العالم، لا في الحال، ولا في المآل) ٨، وهذا التعريف كسابقه، من حيث تخصيصه اليقين باليقين الصادق، وهو مستفاد من قوله: (لا في نفس الأمر)، ومن حيث نفيه لاحتمال النقيض حالاً ومآلاً.
بالاعتبارين معاً: ومما قيل في تعريفه إنه: (اعتقاد جازم لا يقبل التغير من غير داعية الشرع)٩، وميزة هذا التعريف الأخير قوله: (من غير داعية الشرع) ووجه ذلك أنه أضاف قيداً يوضح كيفية انعقاد هذا اليقين في نفس صاحبه، ويوضح طريقة انحلاله أيضاً، وهو أنه: لا يتشكل إلا بدليل مقبول عند صاحبه، ولا يرتفع إلا بدليل، ومما تجدر في هذا التعريف أمران، الأول: أن الدليل الشرعي الذي خصه بالذكر يشمل الدليل الفطري والعقلي، بل والعلمي أيضاً، ما دام صحيحاً، والثاني: أن الدليل لا يعارضه إلا دليل يساويه في القوة أو أقوى منه؛ لأن القوي لا يرتفع إلا بقوي مثله أو أقوى منه، ولا يرتفع بما هو أضعف كالظن، وبهذا يظهر امتياز هذا التعريف على التعريفات السابقة، وإمكانية استثماره في صياغة تعريف سالم من المعارضة.
٣- الدلالة الشرعية.
وتعرف عن طريق تتبع النصوص الشرعية، من القرآن والسنة الصحيحة.
-لفظة اليقين في القرآن الكريم:
وردت مادة "يَقَن" في القرآن بعدد من المشتقات، فقد جاءت مصدراً: يقين، وجاءت فعلاً: يوقنون وتوقنون واستيقن، وجاءت اسم فاعل: موقنين، ومما يُمثل به على الأول:
قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ ٩٩﴾١٠، واليقين هنا يراد به: الموت١١، وكذلك يراد به في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ٤٧﴾١٢١٣، وسبب تسمية الموت باليقين هنا واضح، إذ الموت حقيقة جازمة ثابتة آتية لا محالة، ولا يقوى على إنكارها أحد من الناس، مؤمن ولا كافر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٩٥﴾١٤، وقوله: ﴿كـَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ ٥﴾١٥، وقوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ ٧﴾١٦، وقوله: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧﴾١٧، وقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢﴾١٨، وفي كل هذه المواضع فإن لفظة اليقين تعني: العلم الجازم القاطع الذي لا يساوره شك، غير أن هذه الآيات بمجموعها تفيد أمراً آخر، وهو أن هذا اليقين مراتب، فهو أولاً: علم اليقين، ثم هو عين اليقين، ثم هو أخيراً: حق اليقين، وخير طريق لتعريف كل مرتبة من هذه المراتب ضرب المثل، وفي هذا قال ابن القيم -رحمه الله-: (وقد مُثِّلت المراتب الثلاث بمن أخبرك أن عنده عسلاً، وأنت لا تشك في صدقه، ثم أراك إياه، فازددت يقيناً، ثم ذقتَ منه، فالأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين)١٩.
ومن المواضع التي يمثل بها على ما جاء في القرآن فعلاً، نحو: يوقنون وتوقنون واستيقن:
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤﴾٢٠ وقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢﴾ ٢١.
وهذه الآيات أيضاً تؤكد المعنى السابق: وهو العلم الذي يمتاز بشدة الوثوق والجزم.
قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤﴾٢٢، واستيقن كأيقن من حيث المعنى، غير أن السين والتاء فيها للمبالغة، فالاستيقان أبلغ من الإيقان٢٣.
أما اسم الفاعل فقد جاء في القرآن في:
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ ٧٥﴾ ٢٤، وفي قوله: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠﴾ ٢٥، وقوله: ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤﴾٢٦ وقوله: ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧﴾٢٧، وخصت هذه الآيات الموقنين لأنهم الذين ينتفعون بالدلائل دون غيرهم، فالإيقان لا يكون إلا عن دليل، ووصف (الموقنين) أبلغ من (الذين أيقنوا)؛ لأنه يفيد أنهم عُرِفوا بهذا الإيقان، فصار وصفاً ملازما لهم٢٨، وفي قوله: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢﴾٢٩، فإنهم إنما قالوا هذا لما عاينوا ما لا سبيل إلى إنكاره ولا شك فيه.
والخلاصة مما سبق: أن لفظ اليقين في معاجم اللغة جاء مطابقًا من حيث المعنى لما جاء في القرآن، فقد أفاد اللفظ في القرآن معنى: العلم القاطع الذي لا تخالجه الشكوك، كما أُطلق على الحقائق الثابتة كالموت، غير أن القرآن زاد على معاجم اللغة فأثبت أن لليقين مراتب، فإن كان طريقه خبر الصادق، فهو علم اليقين، وإن كان طريقه: العيان فهو عين اليقين، وإن كان طريقه اللقاء والمباشرة فهو حق اليقين، وكل مرتبة تسمو على ما قبلها.
-لفظة اليقين في السنة النبوية:
لم تزد الأحاديث الصحاح في معنى اليقين شيئاً غير دلالة القرآن، فقد جاءت الأحاديث بإطلاق اليقين على العلم الثابت الجازم في مقابل الشك، ومنه الإيمان، وبإطلاقه على الحقائق الوجودية محققة الوقوع، ومن ثم جاء وصفاً للموت، ومن أمثلة هذه الأحاديث ما يلي:
حديث أم العلاء عن عثمان بن مظعون حين توفي فقالت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ : "وما يدريك أن الله قد أكرمه؟" فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري - وأنا رسول الله - ما يفعل بي"، قالت: فوالله لا أزكي أحدا بعده أبداً ٣٠، واليقين هنا: الموت، ومثله قوله : ﷺ "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيعة، أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير"٣١.
قوله ﷺ : " إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماماً لصلاته، وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان"٣٢، واليقين هنا: العلم الثابت القاطع الذي لا يتناوله الشك.
قوله ﷺ : "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا...الحديث"٣٣، واليقين في هذا السياق هو: خلاف الشك ويفيد عدم تردد القلب في أن كل ما أصابه لم يكن ليخطئه، وكل ما أخطأه لم يكن ليصيبه٣٤، وقوله ﷺ : "اسألوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية" ٣٥، وقوله ﷺ لأبي هريرة رضي الله عنه : "اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة" ٣٦، وفي كل هذه الأحاديث جاء اليقين وصفاً للإيمان، ليفيد أعلى مراتبه، وهو التصديق الذي لا يخالطه الريب.
٤-الدلالة الفلسفية.
وردت لفظة "القين" في المعاجم الفلسفية وفق المعاني الآتية:
(الاعتقاد الجازم المطابق الثابت، الذي لا يزول بتشكيك المشكك، وهو حالة ذهنية تقوم على اطمئنان النفس إلى الشيء مع الاعتقاد أنه كذا، وأنه لا يمكن أن يكون إلا كذا)٣٧.
(سيكولوجيا: طمأنينة النفس لحكم تراه حقا لا ريب فيه، ويقابل الشك، وقد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ، ومنطقياً: كل معرفة لا تقبل الشك)٣٨.
(لفظة تدل على الحالة التي يستقيم فيها الذهن كلما أدرك الإنسان شيئاً، واعتقد بأن إدراكه مطابق للشيء بعينه، وبأن الشيء لا يمكن أن يكون إلا هكذا أي كما أدركه) ٣٩،
أو هو (التصديق الكامل الذي ينفي الشك وإمكانية الشك) ٤٠.
والملاحظ على هذه التعريفات ما يلي:
أما الأول: فيلاحظ عليه ما سبق من كونه يصف اليقين الصادق، لأنه قال: (مطابق)، وكذلك اشتراطه الثبات وعدم الزوال بالتشكيك، فيقال فيه ما قيل سابقاً بأن هذا لا ينطبق على كل أنواع اليقين.
أما الثاني: فينصرف إلى اليقين الذاتي أو الاعتقادي؛ لأنه قال: (تراه حقاً) أي: تعتقده، ولم يشترط المطابقة؛ ولهذا أردف فقال: (وقد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ)، ثم لما عرفه منطقياً قال: (لا تقبل الشك) والأدق أن يُقال: لا تقبل الشك في الحال دون المآل.
أما الثالث: فحسن، غير أنه لما عرفه ثانياً نفى إمكانية الشك، ويقال فيه ما قيل سابقاً.
والخلاصة من استعراض هذه الدلالات جميعا ما يلي:
نصت الدلالة اللغوية على أن اليقين في لغة العرب يفيد انتفاء الشك وزوال الريب عن اعتقاد ما، ولكنها لم تنفِ احتمال تعرض هذا اليقين لشكٍ لاحق، ولم تتعرض لهذا القيد على الإطلاق.
تطابقت الدلالتان اللغوية والشرعية، من حيث سعة معنى اليقين، وإطلاقه على الاعتقادات والحقائق على السواء، أي: أن هناك اعتقادات يقينية عند أصحابها، غير أن هناك حقائق يقينية في نفسها، غير أن النصوص الشرعية زادت إثبات مراتب اليقين، ولم تنف -بدلالتها الإجمالية- عدم تعرض اليقين للشك، بل إنها استهدفت بمجموعها إحداث حالة من الخوف التي تدفع الإنسان للاستمساك والاعتصام بالله، واطّراح العجب بالنفس، وسؤال الله أن يمن عليه بدوام اليقين والثبات عليه، وهذا إنما يدل على التصور الواقعي للمعرفة الإنسانية، ومجانبة التصورات المثالية.
أما الدلالتان العامة والفلسفية فأبرز ما يلاحظ عليهما التعميم غير المستغرق لكل حالات اليقين، ولئن كان هذا مقبولاً في الدلالة العامة فإنه ليس بمقبول في الممارسة الفلسفية التي يفترض أن تتحلى بالدقة والصرامة المنهجية.
وخير طريقة للمِّ شتات هذه التعريفات، وتجسير الاختلافات بينها هو: ألا يتم التعامل مع مصطلح اليقين بوصفه نوعاً واحداً يأخذ تعريفاً محدداً، بل الصواب: التعامل معه بوصفه أنواعاً، يستقل كل نوعٍ منه بتعريف خاص، وتتعدد أنواع اليقين تبعًا للمبدأ الذي يُبنى عليه التصنيف، وذلك كما يلي:
بحسب علاقته بالدليل.
وأنواع اليقين بهذا الاعتبار اثنان:
اليقين المباشر: وهو إدراك جازم يورث الاطمئنان ثابت مستغنٍ عن الدليل٤١، مثل: الأوليات العقلية، كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء، أو أن لكل حادثٍ محدث ونحو ذلك، وكالإدراك الحسي المباشر إذا كانت الحواس سليمة، وانتفى المانع في الموضوع المدرك، سواء كان حساً ظاهراً أو باطناً، فمثال الظاهر: إفادة البصر السليم بأن هناك ضوءاً، فهذا لا يحتاج إلى دليل، ومثال الباطن: إحساس الإنسان بالألم أو الجوع أو نحو ذلك من الوجدانيات، وكذلك اليقين الأخلاقي، فإدراك الإنسان لحسن الصدق إدراك يقيني لا يعوزه الدليل، فكل ما سبق من الإدراكات يتيقنها الإنسان إذا حصلت جزماً، دون دليل، وليست عرضةً للتغيير ولا التشكيك، لا في الحال ولا في المآل، إلا بزوال العقل أو خلل الحواس.
اليقين الاستدلالي: ويُعرَّف هذا النوع بأنه: إدراك جازم يورث الاطمئنان ثابت بثبات دليله، وينقسم إلى نوعين بحسب ثبات الدليل واستقراره:
اليقين الاستدلالي غير المستقر: وهو إدراك جازم يورث الاطمئنان ثابت بدليل غير مستقر، فثمة احتمال لمعارضته بدليل مساوٍ له في القوة أو أقوى منه، فيتراجع أو ينحط، كاليقين المتعلق بالعلوم التجريبية الطبيعية، أو بالعلوم الإنسانية.
اليقين الاستدلالي المستقر: وهو إدراك جازم يورث الاطمئنان ثابت بدليل مستقر، فهذا تنقطع احتمالية معارضته، وأوضح مثال عليه: الأحكام الشرعية القطعية، مثل وجوب الصلاة أو تحريم الخمر، فهذه يقينيات استدلالية مستقرة لاكتمال التشريع.
بحسب مطابقته للواقع. وأنواع اليقين بهذا الاعتبار اثنان:
اليقين الموضوعي: وهو الإدراك الجازم المورث للاطمئنان المطابق للواقع مستقراً كان أو غير مستقر، وقد يسمى باليقين الصادق، أو الواقعي.
اليقين الذاتي: وهو إدراك جازم يورث الاطمئنان غير مطابق للواقع، أي أنه يمثل حالة شعورية لا موضوعية، وقد يسمى باليقين الكاذب، أو الجهل المركب٤٢.
وما دام اليقين حالة إدراكية تتصف بالجزم، وقد تكون مستقرة وقد لا تكون كذلك، فما الذي يجعل اليقين مختلفاً عن مطلق العلم؟
الواقع أن اليقين والعلم وصفان لحالة معرفية تبدأ بمطلق الإدراك، فهما من ثم لا يختلفان من حيث الحقيقة، وإنما يختلفان من حيث الرتبة، فالعلم إدراك قد يوجد معه نوع شك وظن، فإذا انتفت عنه الشكوك، وأروث حالة من ثَلَج الصدر والانشراح والاطمئنان فهو اليقين، أي أن كل يقين علماً، وليس كل علم يقيناً، فاليقين حالة إدراكية لها مظهر شعوري وهو الاطمئنان والسكون، بخلاف العلم.
ثانياً: المعرفة
١-الدلالة اللغوية: تعود المعرفة إلى الأصل: عَرَفَ، وهو في اللغة دال على معنيين: التتابع، والسكون والاطمئنان، والأصل الذي يعنينا في هذا المقام هو الثاني دون الأول، ووجه اشتقاق المعرفة من هذا الأصل أن من عرف شيئاً سكن واطمأن، بخلاف الجهل فإنه يورث الوحشة٤٣.
٢-الدلالة الاصطلاحية:
قيل في معناها إنها: (إدراك الشيء على ما هو عليه)٤٤، وقالوا: إنها مرادفة للعلم، وقال بعضهم: بل بينهما فرق، فهي مسبوقة بجهل، وليس هذا من شرط العلم، ولذلك يسمى الله جل جلاله بالعالم دون العارف٤٥، والعلم يقال لإدراك الكلي بينما المعرفة لإدراك الجزئيات، ولذا أيضا: يقال عرفتُ الله، ولا يقال: علمته٤٦، والحاصل أن المعرفة: حالة نفسية يجدها الإنسان من نفسه حال إدراكه شيئاً ما.
ثالثاً: اليقين المعرفي في الإسلام.
إن اليقين المعرفي الذي يناقشه هذا البحث، ويدرس خصائصه، ويعول عليه في البناء الحضاري ليس ذلك اليقين الذاتي الذي يتحصل للنفس بصرف النظر عن مطابقته للواقع، فإن هذه حالة يقينية ضارة، سماها أهل العلم قديماً: بالجهل المركب، وإنما يقصد به: الإدراك الجازم المورث للاطمئنان والمطابق للواقع مباشراً كان أو استدلالياً، مستقراً كان أو غير مستقر، وبهذا تكون اليقينيات المشمولة بهذا التعريف هي: اليقين المباشر، واليقين الاستدلالي بنوعيه المستقر وغير المستقر شرط مطابقة الواقع، أما وجه اشتمال البحث على اليقين المباشر المطابق للواقع، واليقين الاستدلالي المستقر، فظاهر؛ لأن هاتين الحالتين تتربعان على قمة الحالات الإدراكية، والطعن بهما أو التشكيك فيهما انحراف بيّن عن جادة السواء والهداية، أما وجه اشتمال البحث على اليقين الاستدلالي غير المستقر؛ فلكونه قوام العلوم التجريبية في الطبيعة، والعلوم الإنسانية، وركيزةٌ من ركائز النهضة الحضارية، وهو منها بمثابة الروح التي تبقيها على قيد الحياة، وتمنحها المعنى والتماسك، وعلى الرغم من كونه يقوم على الدليل والبرهان، فإنه يتمتع بقيمة الانفتاح على المراجعة والتصحيح المستمر، متى ظهر دليل جديد، أو تغير الواقع، وعلى هذا فإن الإيمان به هو الذي أتاح للعلوم النظرية والتجريبية أن تتطور وتتجاوز حدود التصور المألوف، شريطة ألا يتحول إلى إطار مقدس يُحرّم الخروج عليه، لأن هذا يفقده أهم مزاياه وهي الانفتاح على المراجعة، وينحط به إلى اليقين الذاتي الذي يفقد مصداقيته على أرض الواقع.
وبناء على ما سبق فإن الصفحات التالية ستناقش اليقين المعرفي بهذا التحديد، ومن ثم فهي تستبعد تماماً اليقين الذاتي.
المطلب الثاني: خصائص اليقين المعرفي في الإسلام.
يُسهم الحديث عن خصائص اليقين المعرفي في زيادة التمييز بينه وبين غيره من المفاهيم القريبة دلالياً، فهي توضح أبعاده وامتداداته، وتكشف عن مضمونه الحقيقي وتفاصيل وجوده في الواقع، وتهيئُه للتحليل والمقارنة.
ويمكن الحديث عن خصائص اليقين المعرفي ضمن عدد من الاعتبارات، المعرفية والنفسية والمنطقية وغيرها؛ ونظراً لتعدد هذه الأبعاد فإن الإلمام بها جميعاً يُعَد أمراً متعذراً في نطاق هذا البحث؛ لذا سيقتصر التناول على الأبعاد التي تتصل اتصالًا مباشرًا بطبيعة البحث ومجاله، ولا سيما البعد الثقافي الذي يمثّل الإطار الناظم لهذه الدراسة -وما يتصل به من الخصائص المعرفية والمنطقية- بوصفها مقاربة ثقافية لليقين المعرفي تكشف عن دلالته وخصائصه ضمن النسق المعرفي والثقافي الذي أنتجه.
أولاً: الخصائص المعرفية والمنطقية.
يمتاز اليقين المعرفي المعنيّ في هذا البحث بعدد من الخصائص المعرفية والمنطقية، منها:
الجزم: وهو لأجل هذا يمثل أعلى مراتب الإدراك المعرفي، إذ يقوم على تصديق مؤكد وحاسم، يميزه عن بقية الحالات الإدراكية: كالعلم والظن والشك ونحوها من الحالات الأدنى.
المطابقة للواقع: فاليقين المعرفي باعتباره حالة إدراكية لا يمكن أن يتصور إلا في حضور واقعٍ ما، يكون موضوعاً لهذا اليقين، ويختص اليقين المعرفي المعنيّ في هذا البحث بمطابقته للواقع، أي بكونه صادقاً، وبهذا يفارق اليقين الكاذب أو الذاتي.
الاستقرار: إذ يتميز اليقين المعرفي بحالة من الاستقرار في ذهن صاحبه، وقد يكون هذا الاستقرار مطلقاً في بعض أنواع اليقين المعرفي كاليقين المباشر، وقد يكون نسبياً في أنواع أخرى كاليقين المعرفي التجريبي، إلا أن هذا لا يخرجه عن حالة الاستقرار لكونه يقيناً استدلالياً مرتبطاً بالدليل العلمي، وليس من شأن الأدلة العلمية التغير السريع.
الوضوح: فالمعرفة اليقينية تمتاز بالجلاء، وانتفاء الغموض واللبس، إلى درجة تدفع العقل للتصديق بها على نحو لا يقبل التردد أو الاحتمال.
الاتساق المعرفي: وتعني انسجام معرفةٍ يقينيةٍ ما مع بقية المعارف اليقينية الأخرى داخل النسق المعرفي، بحيث لا يتولد من التصديق بهما معاً تناقض أو خُلف، وتكمن القيمة المنهجية لهذه الخاصية في كونها تمثل معياراً للتحقق من صدق اليقين، بمعنى أنه متى ما خالف يقينٌ يقيناً آخر كان أحدهما -على الأقل- يقيناً زائفاً بالضرورة، ووجب على المدرِك حينها أن يراجع نسقه المعرفي، وفروضه التي انطلق منها، لأنه لا يمكن للصدق منطقياً أن يعارض الصدق.
الاطراد: ويعني ثبات المعرفة اليقينية عبر مختلف السياقات المماثلة، كاليقين بأن الإنسان ذو إرادة وشعور، أو أنه مفكر، أو أنه لابد أن يموت، فهذه كلها معارف يقينية مُطَّرِدة، لا تختلف باختلاف السياق التاريخي أو الاجتماعي أو الثقافي، وهذه الخاصية أيضاً ذات بعد منهجي هام في الحكم على اليقين، ذلك أن المعرفة إن لم تكن مُطَّرِدة في مختلف السياقات فإنها لا توصف باليقين، بل هي معرفة نسبية أو محتملة الخطأ.
الزمنية: فاليقين المعرفي قد يحصل دفعة واحدة كاليقين الحسي والحدسي، وقد يحصل شيئًا فشيئًا، كاليقين بخبر ما، وهذه الزمنية تؤكد أن اليقين ليس حالة ثنائية فإما أن يوجد بسرعة أو يغيب، بل هو متحقق عبر زمن يطول أو يقصر، بحسب ارتباطه بالدليل، وبنوعية ذلك الدليل، ودرجة الثبات والاطمئنان التي يوفّرها في السياقات المختلفة، ووعي المدرك بهذه الزمنية يسمح بتحليل أكثر دقة للمعرفة، وإدراك فروقها بين المجالات المختلفة٤٧.
الحجية والإلزام: إذ يقتضي اليقين المعرفي أن يكون لمضمونه قوة حجّة تُلزم المخالف بتبرير موقفه، فلا تُعدّ مخالفته مجرّد رأي شخصي أو اختيار ذاتي، ومن ثمّ فإن اليقين المعرفي يمتلك سلطة توجيهية تُلزم الإنسان باتباع مقتضاه سلوكًا وفكرًا.
القابلية للتبرير: إذ يستند اليقين المعرفي إلى تبرير منطقي أو برهاني يمنحه المشروعية المعرفية، فكل يقين غير مبررٍ لا يعدّ يقيناً معرفياً بالمعنى المقصود في هذا البحث، بل هو يقين ذاتي، ومن ثمّ، فإنّ التبرير يمثل الضابط الفاصل بين اليقين الموضوعي الصادق واليقين الذاتي.
الشمولية: إذ يمتاز اليقين المعرفي بالشمول والكلية، ويتجاوز الجزئيات إلى صياغة أحكامٍ أو مبادئ عامة، غير أن هذا الشمول يتخذ صورتين: فهو إما شمول عقلي، كما في القضايا الضرورية التي لا يتصور خلافها، مثل "الكلّ أكبر من الجزء"، أو شمول تفسيري، كما في القوانين العلمية التي تُعطي تفسيراً عاماً للظواهر، في حدود ما تسمح به المعطيات القائمة، حتى إذا ظهر ما يملك قدرة تفسيرية أعلى عُدّل اليقين السابق، وبهذا المعنى، فإن الشمول خاصية مشتركة بين أنواع اليقين.
ثانياً: الخصائص الثقافية:
يكتسب اليقين المعرفي خصائصه الثقافية من الخصائص العامة للثقافة، الأمر الذي توضحه الخصائص التالية:
الطابع الجماعي: فاليقين المعرفي ليس حالة فردية تنشأ بمعزل عن الثقافة المجتمعية، بل يتأطر ضمن جماعة ثقافية لها معاييرها في الصدق ومناهجها في التبرير، وإن اختلفت عن ثقافة أخرى.
القابلية للتوارث: إذ ينتقل اليقين المعرفي عبر الأجيال من خلال اللغة والتعليم والدين والموروث الرمزي، فهي تُغرس في الوعي الجمعي وتشكل أساس الهوية الفكرية للمجتمع.
الوظيفية المعيارية: يؤدي اليقين دوراً معيارياً في ضبط السلوك الاجتماعي، إذ يُستعمل لتقويم الأفعال والأفكار وفق ما يُعدّ "حقًا" أو "صوابًا" داخل الجماعة الثقافية.
المرجعية الثقافية للدليل: يخضع اليقين المعرفي للرؤية المعرفية التي تتبناها الثقافة، إذ تتحدد طبيعة الدليل المقبول ومصادره ضمن هذا الإطار، فالثقافة التي تقوم على التجريبية المادية تجعل التجربة أو الدليل المادي أساسًا لليقين، بينما قد تمنح ثقافة أخرى الخبر الصادق أو النص المقدس مكانة الدليل الأعلى، ومن ثم، فإن يقين كل ثقافة مرتهنٌ لمعيارها المعرفي الخاص.
المبحث الثاني: القواعد المنهجية لليقين المعرفي في الإسلام
يمكن تأسيس القواعد المنهجية لليقين المعرفي بالاستئناس بمباحث نظرية المعرفة، والتي تتعلق بإمكان المعرفة، وحدودها، ومصادرها، في ضوء ما قرره الإسلام، وترجمة إجاباته النظرية على هذه القضايا الكلية في صورة قواعد منهجية، تحدد إمكان اليقين، وحدوده، ومصادره، وما تفرضه طبيعة الرؤية الإسلامية التكاملية من مباحث أخرى منهجية وإنسانية، وعليه، فإن هذا المبحث سيتوزع على المطالب الآتية، كل مطلب منها يمثل قاعدة من قواعد اليقين المنهجي في الإسلام:
المطلب الأولى: إمكان اليقين المعرفي في الإسلام وحدوده:
المطلب الثاني: تعدد مصادر اليقين المعرفي في الإسلام وتكاملها.
المطلب الثالث: سلامة المناهج الاستدلالية وتكاملها.
المطلب الرابع: تكامل الأبعاد النفسية والعملية والعلمية في تحقيق اليقين المعرفي.
المطلب الأول: إمكان اليقين المعرفي في الإسلام وحدوده
خلافا للفلاسفة الشكاك الذين بحثوا أمر اليقين المعرفي وانتهوا إلى عدم إمكانه لأسباب مختلفة، ينطلق الإسلام من مبدأ إمكان اليقين المعرفي، وتحققه في هيئة نواة صلبة ترتكز عليها سائر المعارف البشرية وهي: العلوم الضرورية، التي تقع ابتداء فتلزم النفس، ولا تنفك عنها، دون اختيار ولا قصد، وتعم العقلاء، أي أنها معرفة فطرية راسخة، تمتاز بالكلية والضرورة، ولا تحتاج في حصولها لدى الإنسان لأكثر من صحة الفطرة وسلامتها، وانتفاء موانع الإدراك، وهذه العلوم الضرورية لها عدد من الموارد، منها: الضرورات الحسية، سواء منها ما يرجع إلى الحس الظاهر أو الباطن، والأوليات العقلية، أو ما يعرف بالبديهيات كالسببية ومنع اجتماع النقيضين، والضرورات النقلية العائدة للأخبار المتواترة٤٨.
ولا نحتاج في إثبات إمكان اليقين المعرفي لأكثر من مجرد شعورنا به، أي أن دليل إمكانه هو تحققه الفعلي في النفس؛ ولذا فإن إمكان اليقين المعرفي موقف فطري، يُستدلُّ به، ولا يُستدلُّ عليه، ولا يُشكُّ به، وأي دليل يقام على إمكان اليقين المعرفي فإنه يستلزم التيقن من مقدماته، ومن ثم الوقوع في الدور٤٩.
أما إنكار إمكان اليقين المعرفي فموقف سفسطائي يتناقض مع الشعور الفطري، ويُعرِّض المنظومة المعرفية بأسرها للانهيار، ولا يمثل سوى حالة مرضية عارضة، يدفعها الجهل أو العناد، وإذا كان اليقين المعرفي يتأسس على الفطرة المعرفية، فإن إنكار هذه الفطرة من قبل البعض بحجة عدم شعورهم بها لا يهزُّ يقينيتها وضرورتها، لأن ثمة فرق كبير بين الشعور بالعدم، وعدم الشعور بالوجود٥٠.
ولكن الإسلام لا يقف عند حد التأسيس لإمكان اليقين المعرفي، ليتركه بعد ذلك خيارا لمن أراد، بل إنه يذهب إلى أبعد من هذا، فيوجبه في بعض المجالات وجوبًا لا بد للعبد منه، كبعض أصول الدين الكبار، من قبيل: اليقين بوحدانية الله، وبالرسل عليهم السلام، والإيمان بالبعث، فهذه من أصول الدين الكبار التي لا يصلح فيها إلا الاعتقاد بيقين، وقد أقام الله عز وجل هذه الأصول الكبرى على فطرة معرفية تتسم بالضرورة والقطعية، بحيث تكون مجرد معارضتها شبهة تسقط نفسها بنفسها، ولا تستحق عناء الرد.
وفي مقابل هذه الأصول توجد بعض التفاصيل العقدية التي لم يثبت فيها دليل قطعي، ومن ثم فلا يجب فيها اليقين٥١.
غير أن ثمة موضوعات يقرر الإسلام أنها غير قابلة للعلم، إما لقصور المدارك الإنسانية، أو لطبيعة الموضوع ذاته، وكونه مما اختص الله بعلمه، أو لغير ذلك من الاعتبارات، وعلى الإنسان أن يعترف بتواضع بعدم إمكان العلم بها فضلًا عن تحقيق اليقين المعرفي فيها، وذلك من قبيل: الغيبيات التي لم يرد بشأنها دليل، كالبحث في ذات الله، أو كيفية صفاته عز وجل ، أو معرفة الروح وكنهها، أو المستقبل، أو مكنونات الصدور والضمائر، فهذا كله وأمثاله مما لا مجال لعلمه.
وثمة مجالات أخرى قابلة بطبيعتها للعلم، ولكن تحقق اليقين المعرفي فيها على نحو مطلق قد يكون متعذرًا، كعالم الطبيعة، فهو عالم قابل للعلم والإدراك من حيث الأصل، إلا أن العلم به وإن تمثل في قوانين عامة، إلا أنها تفتقر إلى الإطلاق، ولذا تتطور العلوم الطبيعية باستمرار، وتصحح أخطاءها تبعًا لما يظهر لها من الأدلة.
أما مجال العلوم الإنسانية فنصيبها في اليقين المعرفي أقل من نصيب العلوم الطبيعية، لكون الإنسان هو الناظر والموضوع في آن، ومعلوم ما في الإنسان من أبعاد مجهولة، تحول دون الوصول إلى يقين مطلق أو مستقر.
المطلب الثاني: تعدد مصادر اليقين المعرفي في الإسلام وتكاملها.
تتعدد مصادر اليقين المعرفي في الإسلام، وهي: الحس والعقل والخبر الصادق، خلافا للرؤى الفلسفية التي حصرت اليقين المعرفي في مصدر، وأسقطت المصادر الأخرى من الاعتبار، كالعقلانية التي أوهنت دور الحواس، والتجريبية التي حجمت فاعلية العقل.
وأول٥٢ مصادر اليقين المعرفي في الإسلام الحس، والحس قوة فطرية تستلزم التأثر والانفعال بالمعطيات الحسية، فنرى لونًا، أو نسمع صوتًا، أو نحس حرارة، أو غير ذلك، والحواس ظاهرة وباطنة،
فأما الظاهرة فالسمع والبصر واللمس والذوق والشم، وأما الباطنة فهي الشعور بالجوع والألم واللذة ونحو ذلك من المشاعر الداخلية٥٣.
فإذا كانت الحواس سليمة من الآفات المؤثرة في نقلها، ملائمة لموضوعها، وانتفى المانع عن الموضوع الحسي المدرك، فإن الإدراك الحسي يقع ضرورة، وتكون نتيجته يقينية لا شك فيها٥٤، وهو ما يُعبر عنه عادة بتحقق الشروط وانتفاء الموانع في الإدراك الحسي، وهذا القيد هو ما يؤكد محدودية الحواس، أي أن إدراكها ضروري في إطار حدودها الطبيعية، فإذا كانت آلة الحس غير سليمة، كعين الأعمى مثلا، أو وجد مانع في الموضوع، كوجود حاجز معتم بين العين والمرئي، أو تجاوز الموضوع حدَّ الحاسة -عتبة الإحساس٥٥- فإن الحاسة في كل ما سبق تخطيء، بل وقد تتوقف عن العمل، لا لكونها غير يقينية، أو غير صالحة، أو ليست مصدرًا من مصادر العلم، بل إما لكونها غير سليمة، أو لوجود مانع في الموضوع المدرَك، وحتى في حالة خطئها فإن كشف هذا الخطأ ممكن، إما بحاسة أخرى أو بالعقل٥٦.
ومن طبيعة الحواس أيضا أنها لا تدرك إلا المعينات، كإدراك الحس لماء معين، أو جبل معين، فلا تدرك الكليات، ولا المجردات، وليس في طبيعتها ما يمكنها من ذلك٥٧، وإذا كان الحس لا يدركها فليس في إمكانه نفيها، بل ولا في إمكانه نفي ما لم يباشره، لاحتمال كونه مُدركًا عبر مصدر آخر، وإذا تقرر هذا فإنه يلزم منه أن الحواس ليست مصدرا للأحكام ولا للتمييز، فالحكم والتمييز من وظائف العقل لا الحس، فإذا حصل خطأ في الحكم -كحالة السراب مثلا- فإن هذا ليس مدعاة لإسقاط يقينية الحواس أو اعتبارها؛ لكون الحكم أصلا ليس من دورها٥٨.
وإذا تقرر أن الإدراك الحسي إذا تحققت شروطه وانتفت موانعه إدراك ضروري يقيني، فإنه من المفيد تصور أن هذا اليقين المعرفي يزيد وينقص تبعًا لعدة عوامل، منها:
تضافر الحواس أو عدم تضافرها، فإن الحواس إذا تضافرت في إدراكها لموضوع ما، ازداد اليقين المعرفي، والعكس بالعكس، فإذا سمع إنسان ما صوت النار وهي تشتعل، وكان سليم الحاسة، فإنه يتحصل له يقين بوجود النار، ولكنه إن رآها، ارتفع يقينه، فإن سمعها، ورآها، وشمَّ دخانها، وأحس بحرها، ارتفع يقينه بها تبعا لذلك، ومن ثم فاليقين المعرفي المتحصل من الإدراك الحسي متعدد المنافذ أقوى وأرسخ مما يتحصل من حاسة واحدة.
تفاوت أحوال المدرِك نفسه، فقد يدرك زيد حسًا ما يدركه عبيد، ويتحصل لهما معًا اليقين بما أدركاه، غير أن زيدًا يفضله صحة، أو خبرة، أو انتباهًا، أو غير ذلك، فيكون يقينه أوثق وأعلى.
تفاوت أحوال المدرَك، وأحواله لا تحصى، من صغرٍ وكبرٍ وقربٍ وبعدٍ ونحو ذلك.
وعدم إدراك هذه الطبيعة الحسية، وحدودها، وتفاوت مراتبها، يمثل سببًا من أسباب طعن الشكاك والعقلانيين في الحواس وتوهين دورها في المعرفة.
وأما العقل فمصدر من مصادر العلم في الإسلام، وقسم من الأدلة الشرعية، وليس قسيمًا لها ويطلق على معانٍ، منها: الغريزة التي يعقل بها الإنسان، كما يطلق على العلوم الضرورية، والعلوم النظرية، والعمل بالعلم٥٩، أما الغريزة فقوة فاقدها المجنون، وأما العلوم الضرورية فهي المعارف الأولية، كالهوية والسببية وعدم التناقض، والمبادئ الرياضية ونحوها، وهي التي يقال لمن يخالفها: قولك ممتنع عقلًا، كمن يقول بأن العالَم وُجد من غير شيء، أو من يقول بالتثليث، وأما النظرية فالعلوم التي اكتسبها الإنسان وما بُنيت عليه من استدلالات، وأما العمل بالعلم فجلب النافع، ودفع الضار، وهو الغالب في استعمال الشارع وأئمة السلف٦٠، وهو صفة لا جوهر٦١، ومن ثم فهو مفتقر إلى محلٍ يقوم به كسائر الأعراض، والتحقيق أنه متعلق بالقلب والدماغ معاً٦٢، ويزيد وينقص كسائر القوى والصفات.
وللعقل وظائف ثلاث: التجريد والحكم والاستدلال، أما التجريد فعملية عقلية تالية على الإدراك الحسي للمعينات والجزئيات يتم من خلالها استخلاص الصورة العامة والوصول إلى الكلي، ومثاله: الحس يدرك الوردة الصفراء، والحمراء، والبيضاء، ثم العقل يستخلص الصورة الكلية للوردة، وبهذا فالحس يدرك الجزئي الذي بالخارج، والعقل يستخلص الكلي.
أما الحكم: فتركيب بين معنيين، أي أن ينسب إلى المجرد الذي تصوره معنى، أو ينفيه عنه٦٣، فيحكم على متصور بأنه صحيح أو فاسد، أو حسن أو قبيح...إلخ، وقد يكون الحكم مطابقًا للواقع فيكون حقيقة وقد لا يكون٦٤، وهذه المطابقة إما تؤكدها المصادر المعرفية من حس وعقل وخبر صادق، أو تنفيها.
أما الاستدلال فأشرف الوظائف العقلية، ويقوم على اللزوم، فكل أمر لزم عنه أمر آخر، صار الأول دليلًا، والثاني مدلولًا، والانتقال بينهما استدلالًا، والاستدلال قد يكون فطريًا مباشرًا محققًا لليقين المعرفي، ومعنى كونه فطريًا أن العقل يمارسه بصورة طبيعية، وينتقل فيه من مقدماته إلى نتائجه دون كلفة، وذلك كما لو لاحظ العقل عنصر التماثل بين أمرين في معنى معين، فيحكم على الأول بأنه مثل الثاني، وهذا متكرر الحدوث في المواقف الطبيعية حتى إن العقل لا يفطن إليه، ولا يجهد فيه، ولا يشك في سلامته، كما إذا لاحظ الإنسان أن الكائن الحي يحتاج إلى غذاء لينمو، فإنه إذا رأى كائنًا حيًا لا عهد له به فلا يصعب عليه الاستدلال على احتياجه إلى الغذاء، بجامع وجود الحياة في كلٍ منهما، وإذا رأى ما ليس بحيّ، فلا يصعب عليه الاستدلال على عدم حاجته إلى الغذاء، لأنه خالف الأول في الحياة، والأمر نفسه فيما لو لاحظ العقل تحقق معنى في أمر، فإنه لا يصعب عليه الاستدلال على تحققه فيما هو أولى منه، كالمخلوق الذي من صفات كماله العدل، فإن العقل يستدل على ضرورة اتصاف الخالق عز وجل بالعدل؛ لأنه أولى بهذه الصفة من المخلوق، وكاستدلال العقل على الأمر بدلالة رؤية أثره، فرؤية الرماد دالة بالضرورة على أنه كان ثمة نار في المكان، وكل هذه الاستدلالات لكونها فطرية، ومباشرة، وتحقق اليقين المعرفي بدلالتها جاء بها القرآن، وحاول العلماء استثمارها في بناء العلوم فأطلقوا عليها: الطرد، والعكس، والأولى، والآية، بالترتيب، والقول بضرورتها وفطريتها لا ينفي احتياجها إلى شروط خاصة تتناسب مع موضوعها: حسيًا كان أو فقهيًا أو عقديًا.
وقد يكون الاستدلال تركيبيًا غير مباشر، فيه صنعة وتكلف يستثير العقل، ومن ثم فقد ينتج اليقين المعرفي وقد لا ينتجه، ويشترط للاستدلال ليكون صحيحًا: سلامة مقدماته، والتلازم بينها وبين النتيجة، أما إفادته لليقين المعرفي من عدمها فأمر مرتهن بمادته، فإذا كانت المادة يقينية، فنتيجة الاستدلال يقينية، وإذا كانت مادته ظنية، فنتيجة الاستدلال ظنية٦٥.
وبناء على ما سبق، فإن إنتاج اليقين المعرفي في الإسلام عن طريق العقل ممكن، إذا صحت تصوراته وأحكامه واستدلالاته، ومداخل الخطأ على التصورات، والأحكام، والاستدلالات لا تكاد تنحصر، وبعضها راجع إلى العقل نفسه، وبعضها إلى الظروف الموضوعية الخارجية، وبعضها يرجع إلى النفس وانفعالاتها، فإذا اختل التصور تشوهت مادة التفكير، وإذا اختل الحكم فسدت العلاقة بين المفاهيم، وإذا اختلا جميعا اختل الاستدلال، مما يعني أن إنتاج اليقين المعرفي عملية معقدة، تتضافر فيها العديد من المدخلات، ولكن تعدد مداخل الخطأ لا يعني انعدام قدرة العقل على تحقيق اليقين المعرفي، فضلًا عن التشكيك في دوره أو وظائفه، وإنما قصارى ما تدل عليه: وجوب التدقيق والفحص لمدخلات العقل والواقع والنفس، والاعتدال في تقييم نتائجه.
أما الخبر فالنقل، وقوامه: مُخبِرٌ وهو الناقل، ومتلقٍ وهو المنقول إليه، ومُخبَرٌ عنه وهو المضمون، وهو من مصادر العلم المعتبرة، ويؤكد ذلك الواقع العملي للناس مهما اختلفت مشاربهم ومذاهبهم، أما بحثه بوصفه من مصادر اليقين المعرفي، فيحيل إلى دراسته في ثلاثة أبعاد، هي: طريقه، وناقله، ومضمونه، وقد نهض علم المصطلح الحديثي في الحضارة الإسلامية بدور التقعيد للشروط الواجب توافرها في الخبر ليؤدي دوره في اليقين المعرفي.
أما الخبر باعتبار طريقه، فمتواتر وآحاد، وكلا الطريقين ينتج اليقين المعرفي بشروط، أما المتواتر فليزم لإفادته اليقين المعرفي: كثرة النقلة، في كافة مراحل نقل الخبر، مع استحالة اتفاقهم على الكذب عمدًا أو خطئًا، ومن ثم تتعدد منافذ الظنية في الخبر تبعًا لهذه الشروط، فلو كان النقلة أفرادًا في مرحلة ما فالأصل أن الخبر يفيد الظن، مالم تحتف به قرائن أخرى تجبر نقص العدد، أو أمكن توافقهم بأي صورة من صور التوافق على الكذب عمدًا أو خطئًا، فإن الخبر ساعتئذ لا يفيد اليقين المعرفي، وإن أفاد الظن في أحسن أحواله٦٦.
وقد يكون طريق الخبر آحادًا، ومن ثم تزداد في حقه شروط إنتاج اليقين المعرفي، لأن الخبر إذا قل نقلته صار مظنةً للكذب أو الخطأ، ومن ثم يحتاج إلى مزيد فحص وتدقيق فيما يتعلق بصفات المخبرين، كضرورة اتصافهم بالديانة التي تحجز عن الكذب في الخبر، والضبط الذي يحجز عن الخطأ فيه، وعلاقته بمن أخبر عنه، هل لقيه أو أمكن لقاؤه به أم لا؟ في حين يُستغنى عن معرفة أحوال الرواة حال كثرتهم وامتناع تواطئهم٦٧.
وكما تتعدد مصادر اليقين المعرفي في الإسلام فإنها تتضافر أيضا في تحقيقه، وتأتلف في انسجام، فالحواس تعمل على نقل المدركات إلى العقل، وهو بدوره يقوم بتحليلها وفق ما لديه من العلوم الضرورية والمكتسبة، فإذا كانت ظروف الإدراك الحسي والتحليل العقلي منضبطة بشروط إنتاج اليقين المعرفي فإن المحصلة النهائية تكون يقينية، وهذا يعني أنه -خلافا للفلسفة العقلية والتجريبية- لا يمكن إنتاج اليقين المعرفي بالاعتماد على الحس دون العقل، كما لا يمكن إنتاجه اعتمادا على العقل دون الحس، وافتقار الفلسفة الحسية لهذه التكاملية هو الذي أوقعها في إنكار الغيبيات، اعتمادا على كون الحواس لا تدركها إدراكًا مباشرًا، مع أن إدراك الحس لآثار الوجود الغيبي بالتضافر مع التحليل العقلي القائم على مبدأ السببية يفضي إلى وجود الغيب إفضاءً ضروريًا قاهرًا للعقول الصحيحة.
المطلب الثالث: سلامة المناهج الاستدلالية وتكاملها.
تؤسس كل عقيدة -دينية كانت أو فلسفية- منهجًا استدلاليًا يضطلع بعبء التشريع الفلسفي لتلك العقيدة، والبرهنة على صحة أطروحاتها ونظرياتها، ومعالجة قضايا ومشكلاتها، كقضية الفهم والتفسير، ومشكلة التعارض بين الأدلة، ونحوها، وعلى ضوء العقيدة يتشكل المنهج، فيرث منها سماتها الأساسية التي تعكس طبيعتها، فإذا قامت العقيدة على الوضوح، والتكامل، والواقعية، والبرهنة انعكس ذلك على منهجها في صورة ترابط منطقي، وواقعية استدلالية، وقدرة تفسيرية، والعكس بالعكس، مما يعني أن أي تقييم للمنهج الاستدلالي هو في جوهره تقييم للبنية العقدية التي أنتجته.
ويحفل التراث الإنساني بتباين كبير على مستوى المناهج الاستدلالية تبعا لتباين العقائد؛ وكما ينشأ الجدل والحجاج بين العقائد على مستوى النظريات، فإنه ينشأ كذلك على مستوى المناهج الاستدلالية.
وكما سبق القول، فإن حالة اليقين المعرفي بما هي حالة إدراكية ممكنة من حيث توافر شروطها الذاتية والموضوعية، ولكن الإنسان يخطئها أحيانا لا بسبب عجز المصادر، ولا طبيعة الموضوع، وإنما لخلل في المنهج الاستدلالي الذي توسل به إليها، أو لكونه يُشَغِّل المنهج الاستدلالي ضمن منطق إقصائي لا يعترف بالتكاملية المنهجية التي تفترضها الطبيعة التكاملية للمعرفة، وتباين الموضوعات والحقول المعرفية، وحدود المصادر نفسها.
والملاحظ أن العقائد والفلسفات التي تميل إلى أولوية المادة على الفكر تتوسل بالمنهج الاستقرائي٦٨، وتميل إلى تجاهل المنهج المقابل، أو التشكيك في مشروعيته، بينما تتوسل الفلسفات التي تميل إلى أولوية الفكر على المادة بالمنهج الاستنباطي٦٩، وتُحجِّم من مساحة المنهج الاستقرائي، إن لم تتجاهله تمامًا، على الرغم من أن تأمل طبيعة المنهجين يؤكد عدم وجود خلاف تقنيّ بينهما، بل يؤكد ضرورة التكامل بين المنهجين، غير أن المنهج -كما سبق- لا يولد في فراغ تنظيري، وليس أداة محايدة، بل هو امتداد للبنية العقدية التي أنتجته، ومن ثم فإن اعتراف فلسفةٍ معينةٍ بمشروعية منهجٍ ما، هو في حقيقته اعتراف بالمصدر المعرفي الذي يتساوق معه، وبقدرته على تأسيس اليقين، وهو ما قد يخالف الفرض الأساس لهذه الفلسفة، لكونها تتأسس ابتداء على مصدر وحيد لليقين، الأمر الذي يرفضه الإسلام.
وقد كان المبرر الفلسفي لإقصاء المنهج الاستقرائي أو التقليل من أهميته كونه لا ينتج اليقين المعرفي، وأن نتائجه ظنية احتمالية، في حين أن نتائج المنهج الاستنباطي يقينية، وفي المقابل سعى أنصار الاستقراء لإقصاء الاستنباط تحت الزعم بكونه تحصيل حاصل ولا ينتج معرفة جديدة، ولتجاوز الجدل الفلسفي القائم بين أنصار المنهجين فإنه لا يكفي فقط أن يُحلل المنهجان شكليًا، بأن يقال: هذا من الجزء إلى الكل، وهذا من الكل إلى الجزء، ثم يحكم على يقينيتهما من خلال ذلك، بل أن تفهم طبيعة كل منهما في ضوء رؤية معرفية تكاملية لا تعاني من ضغوط نفسية-غير معرفية، وأن تُحلل طبيعة العلاقات التي تربط بين الظواهر، لأن هذا ما يعبر عن مضمون الاستدلال، لا شكله فقط.
أما الاستقراء فيمر عبر مرحلتين، تتبع وتعميم، أما التتبع فعملية حسية، ليست هي ما يحدد قيمة الاستقراء، وأما التعميم فهو طريق الوصول للكلي، ومن ثم فهو الذي يحدد قيمة الاستقراء، والتعميم حكم عقلي مشروط بالإدراك الحسي، ويقينية هذا الحكم من عدمها تعتمد على إدراك العلاقة بين الظاهرتين المدروستين (نار-احتراق، عرق-لون...) فإذا كانت العلاقة سببية، كما في (نار-احتراق) فإن العقل يجد نفسه مضطرًا لأن يحكم بأن النار سبب للإحراق، ولو لم يستقرئ كل الحالات، فالعقل مزود بمبدأ قبلي ضروري وهو السببية، وإن كانت العلاقة مجرد اقتران، لا اطّراد فيه، (العرق- اللون) فالاستقراء في هذه الحالة ليس يقينيًا، ومن ثم فالحكم على يقينية الاستدلال أيًا كان مسماه وشكله يعتمد على مادته ومضمونه، والأمر نفسه ينطبق على الاستنباط إذ ليست العبرة باتجاهه وإنما بمضمونة وسلامة مادته٧٠.
يتحصل مما سبق عدة أمور:
إن القول بظنية الاستقراء مطلقًا ويقينية الاستنباط مطلقًا غير صحيح، بل لكل منهما فرصة إنتاج اليقين المعرفي بشروط.
إن المحك الأساس في الحكم على نتيجة الاستدلال ليست الصورة الشكلية، بل مضمون المادة.
إن الاستقراء ليس منهجًا حسيًا خالصًا، كما أن الاستنباط منه ما هو عقلي خالص ومنه ما ليس بكذلك.
ومن ثم فإن إنتاج اليقين المعرفي يستلزم الجمع بين المنهجين، فكل منهما يُكمِّل الآخر، بل إن كلًا منهما يستدعي الآخر في مرحلة من المراحل٧١.
المطلب الرابع: تكامل الأبعاد النفسية والعملية والعلمية في تحقيق اليقين المعرفي.
من الأخطاء التي توافق عليها كثير من النظار والفلاسفة اختزال اليقين المعرفي في مجرد التراكم الذهني للمعلومات، أو إحكام البنية الاستدلالية للبرهان، وهذا الخطأ إنما يعود لطبيعة الرؤية الوجودية والمعرفية التي انطلقوا منها، والتي تتجاهل البعدين النفسي والعملي في الإنسان، أو تهمش دورهما في أحسن الأحوال، والحقيقة التي اختص الإسلام بإعطائها أهمية كبرى في بنائه العلمي هي: تكامل الأبعاد النفسية والعملية والعلمية في تحقيق اليقين المعرفي، ومن هنا تبرز أهمية التزكية النفسية، والعمل بالعلم بوصفهما شرطين يسهمان في التأسيس لليقين المعرفي، وفي ترسيخه وتثبيته.
أما التزكية النفسية، فإنها تختص بالتخلية لمحلّ الإدراك من كل ما من شأنه أن يعوق الوصول إلى الحقيقة، كالهوى، والحسد، ومنافسة الأقران، وتحكيم الإلف والعادة وعقائد الآباء، أو الخوف على حظوظ النفس الشخصية من جاهٍ وعزٍ ونحوهما، فكل ذلك يُحدث انحرافًا في توجيه النظر، وقبول الحقائق، فالقلب -كما سبق بيانه-ليس محلًا للوجدانيات فحسب، بل هو محلٌ للتفاعل العقلي والنفسي، فإذا تكدّرت صفحته، انعكس ذلك على وظيفة العقل، لا من حيث قدرته على التصور، والاستدلال، بل من حيث سلامة مقصده وصحة أحكامه، وعليه، فإن تزكية النفس تحرير للذات العارفة من الضغوط غير المعرفية، وتَهيئةٌ لها لتلقّي العلم ابتداء، بل إن إهمال التزكية النفسية لا يحجب العلم فحسب، بل قد يفضي به إلى عكس مقصوده، كما في قول الله عز وجل : ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥﴾٧٢، وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا﴾٧٣.
وأما العمل بالعلم، فإنه يُمثل الانتقال من طور التصديق إلى طور التحقق، وهو انتقال يُكسب المعرفة بُعدًا اختباريًا يُعزز يقينها، فالمعرفة التي لا تُمارس لا ترسخ ولا تثبت؛ لأنها لم تخضع لامتحان الواقع، في حين أن تفعيلها عمليًا يُرسخها في النفس ويُحولها من قناعةٍ ذهنية إلى حقيقةٍ مُعاشة، ومن هنا قيل: (العمل بموجب العلم يُثبّته ويُقرّره، ومخالفته تُضعفه)٧٤، وقد قرر علماء الإسلام أن العمل يدخل في مسمى الإيمان٧٥، والإيمان واليقين من باب واحد، ويدل على تأثير انعدام العمل على الحالة العلمية -واليقينية من باب أولى- آيات كثيرة، منها:
﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ﴾٧٦.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ ١١٠﴾٧٧.
﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦﴾٧٨.
وبالجمع بين التزكية والعمل، يتشكل مسار تكاملي لتحصيل اليقين المعرفي: فالتزكية تُنقّي أداة الإدراك، وتزيل موانع المعرفة، والعمل يُحقّق موضوع الإدراك ويُثبّت نتائجه، وبهذا يتأسس اليقين المعرفي على بنية ثلاثية: عقلٌ يدرك، وقلبٌ يتزكى، وجوارحُ تمارس.
أما الجانب العلمي، فلا شك بأن الاستعدادات النفسية مختلفة بين الناس، فالقدرة العلمية، والقوة العقلية ليست سواء، وهذا تفاوت مشاهد لا ينكر، وتتدخل فيه عوامل عدة، منها الجبليّ ومنها الكسبيّ، ومن ثم فقد يتفاوت الناس في الوصول إلى اليقين المعرفي، سرعةً وعمقًا وطريقًا، غير أن هذا لا يلغي إمكان تحصيل أصل اليقين بقواعده السابقة.
الخاتمة
وبعدُ، فإن الإحاطة التامة بجميع جوانب الموضوع أمرٌ متعذرٌ في حدود هذا البحث؛ وعليه، فإن النتائج المعروضة تمثل مقاربةً منتقاة تسعى إلى استجلاء أبرز ملامح القضية دون ادعاء الاستقصاء الكامل لها.
أبرز النتائج:
ينتمي مصطلح اليقين المعرفي للحقل الدلالي نفسه الذي ينتمي له العلم، غير أنه أسمى منه، وتختلف طبيعته باختلاف متعلقه، دليلًا كان أو واقعًا.
لا يغلق اليقين المعرفي المتعلق بالعلوم التجريبية باب المراجعة والانفتاح على التغيير، شريطة أن يرتبط هذا التغيير بدليل علمي مقبول.
يؤسس الإسلام حالة اليقين المعرفي بالاعتماد على العلوم الضرورية، التي تعد مبتدأ العلم، ومنتهى الاستدلال، وتمثل الثقة بالضرورات الحسية والبديهيات العقلية والأخبار المتواترة الموقف الطبيعي والفطري، الذي لا يقبل التشكيك، وبالتأسيس عليها، تتضافر المصادر المعرفية الشرعية من حس وعقل وخبر في تحقيق اليقين المعرفي.
لا يرتهن إنتاج اليقين المعرفي على صورة الاستدلال، بل على مادته ومضمونه.
لا يُختزل اليقين المعرفي في بنية نظرية أو أقيسة عقلية، بل يتمثل حالةً كليةً تستغرق الإنسان في أبعاده المختلفة، نفسيةً وعمليةً وعلميةً.
وحيث إن هذه الدراسة تمثل مقاربة إبستمولوجية، انطلقت من سؤال: ما اليقين؟ وكيف نصل إليه؟ في ضوء النصوص الشرعية، فإني أوصي: بتوجيه الجهود البحثية لمقاربة اليقين المعرفي مقاربة قيمية، تنطلق من سؤال: ما موقع اليقين المعرفي من سلم القيم في الإسلام؟ وكيف يسهم في توجيه الفعل المعرفي والإيماني والأخلاقي والحضاري، وهو موضوع يؤكد أهميته ما نراه من تحولٍ في الهرم القيمي للمعرفة، يرتكز على إعلاء الشك بوصفه قيمة علمية، وموقفًا نقديًا، دون تمييز بين الشك الذي يمثل رؤية فلسفية، والشك الذي يمثل قيمة إجرائية نقدية تخدم بلوغ اليقين ولا تلغيه، هذا والله تعالى أعلم، وصلِّ اللهم وسلم على نبيك محمد ﷺ .
- ١ ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، تخريج: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت-لبنان، ١٤٠٨ه-١٩٨٨م.
- ٢ ابن القيم، مدارج السالكين، دار عطاءات العلم، الطبعة الثانية، ١٤٤١ه-٢٠١٩م.
- ٣ ابن تيمية، الرد على المنطقيين، دار المعرفة، بيروت-لبنان.
- ٤ ابن تيمية، بغية المرتاد، تحقيق: موسى الدويش، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ه-١٩٩٥م.
- ٥ ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، مجموعة الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ه.
- ٦ ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الثانية، ١٤١١ه-١٩٩١م.
- ٧ ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع: عبد الرحمن بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، ١٤٢٥ه-٢٠٠٤م.
- ٨ ابن حجر، نزهة النظر شرح نخبة الفكر، تحقيق: عبد المحسن القاسم، الطبعة الأولى، ١٤٤٢ه-٢٠٢١م.
- ٩ ابن حزم، التقريب، تحقيق: إحسان عباس، دار مكتبة الحياة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٠٠م.
- ١٠ ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية، تونس، ١٤٠٤ه- ١٩٨٤م.
- ١١ ابن فارس، مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مطبعة مصطفى البابي، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ه-١٩٧٢م.
- ١٢ ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ه.
- ١٣ أبو داود، سنن أبي داود، المطبعة الأنصارية، دهلي- الهند، ١٣٢٣ه.
- ١٤ الأنصاري، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، تحقيق: مازن المبارك، دار الفكر المعاصر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ه.
- ١٥ الباجي، الحدود في الأصول، تحقيق: محمد حسن، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ه-٢٠٠٣م.
- ١٦ البخاري، الجامع المسند الصحيح، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الخامسة، ١٤١٤ه-١٩٩٣م.
- ١٧ البركتي، التعريفات الفقهية، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٤ه-٢٠٠٣م.
- ١٨ الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ه-٢٠٠٩م.
- ١٩ التهانوي، كشاف اصطلاح العلوم والفنون، تحقيق: علي دحروج، مكتبة لبنان ناشرون-بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٦م.
- ٢٠ الجرجاني، التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ه-١٩٨٣م.
- ٢١ جميل صليبيا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، ١٩٨٢م.
- ٢٢ الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان الداودي، دار القلم والدار الشامية، دمشق-بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ه.
- ٢٣ الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الريان للتراث بالقاهرة - دار الكتاب العربي ببيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٧ه-١٩٨٧م.
- ٢٤ الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير، تحقيق: محمد إسحاق، مكتبة دار السلام، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ه-٢٠١١م.
- ٢٥ الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار التربية والتراث - مكة المكرمة.
- ٢٦ الفيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، المكتبة العلمية – بيروت.
- ٢٧ القاضي عبد الجبار، المغني، تحقيق: محمد مصطفى حلمي، أبو الوفاء الغنيمي، الدار المصرية.
- ٢٨ الكفوي، الكليات، تحقيق: عدنان درويش، مؤسسة الرسالة- بيروت.
- ٢٩ لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت-لبنان.
- ٣٠ محمد التكريتي، بحث في هندسة النفس الإنسانية، الملتقي للنشر والتوزيع، سوريا.
- ٣١ محمد بني يونس، سيكولوجية الإحساس والإدراك، مركز الكتاب الأكاديمي.
- ٣٢ محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية، ١٣٧٢ه-١٩٥٣م.
- ٣٣ مدكور، المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة، ١٤٠٣ه-١٩٨٣م.
- ٣٤ مسلم، الجامع الصحيح، تحقيق: محمد ذهني، دار الطباعة العامرة، تركيا، ١٣٣٤ه.
- ٣٥ معن زيادة، الموسوعة الفلسفية، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، ١٩٨٦م.
- ٣٦ يوسف كرم، العقل والوجود، هنداوي، ٢٠١٤م.
فهرس المصادر
القرآن الكريم
الهوامش
- (١) انظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، ٦/١٥٧، وانظر: الكفوي، الكليات، ص٩٨٠. ---^
- (٢) انظر: الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص٨٩٢، وانظر: ابن منظور، لسان العرب، ١٣/٤٥٧. ---^
- الفيومي، المصباح المنير، ٢/٦٨١. ---^
- (٤) الجرجاني، التعريفات، ص٢٥٩. ---^
- رواه الترمذي في السنن، برقم (٢١٤٠) وقال: وهذا حديث حسن، ورواه أحمد في المسند، برقم (١٢١٠٧) وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي على شرط مسلم. ---^
- [إبراهيم: ٣٥]. ---^
- تفسير الطبري، ١٧/١٧. ---^
- (٨) التهانوي، كشاف اصطلاح العلوم والفنون، ٢/١٨١٣. ---^
- (٩) الأنصاري، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، ص٦٨. ---^
- [الحجر: ٩٩]. ---^
- انظر: الطبري، جامع البيان، ١٧/١٥٩. ---^
- [المدثر: ٤٧]. ---^
- انظر: الطبري، جامع البيان، ٢٤/٣٧. ---^
- [الواقعة: ٩٥]. ---^
- [التكاثر: ٥]. ---^
- [التكاثر: ٧]. ---^
- [النساء: ١٥٧]. ---^
- [النمل: ٢٢]. ---^
- مدارج السالكين، ٣/١٨٠. ---^
- [البقرة: ٤]. ---^
- [الرعد: ٢]. ---^
- [النمل: ١٤]. ---^
- انظر: الزمخشري، الكشاف، ٣/٣٥٢، وانظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، ١٩/٢٣٣. ---^
- [الأنعام: ٧٥]. ---^
- [الذاريات: ٢٠]. ---^
- [الشعراء: ٢٤]. ---^
- [الدخان: ٧]. ---^
- انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، ٢٦/ ٣٥٢-٣٥٣. ---^
- [السجدة: ١٢]. ---^
- رواه البخاري في صحيحه برقم: (١٢٤٣). ---^
- رواه مسلم في صحيحه برقم: (١٨٨٩). ---^
- رواه أبو داود في سننه برقم: (١٠٢٤)، وقال الألباني: حسن صحيح. ---^
- رواه الترمذي في سننه برقم: (٣٥٠٢)، وقال: حسن غريب. ---^
- انظر: الصنعاني، التنوير شرح الجامع الصغير، ٣/١٤٥. ---^
- رواه الترمذي في سننه برقم: (٣٥٥٨)، وقال: حسن غريب. ---^
- رواه مسلم في صحيحه برقم (٣١). ---^
- جميل صليبيا، المعجم الفلسفي، ٢/٥٨٨. ---^
- مدكور، المعجم الفلسفي، ص٢١٦. ---^
- معن زيادة، الموسوعة الفلسفية، ١/٨٤٨ ---^
- المرجع السابق، الصفحة نفسها. ---^
- انظر: جميل صليبيا، المعجم الفلسفي، ٢/٥٨٨، وانظر: مدكور، المعجم الفلسفي، ص٢١٦. ---^
- انظر: لالاند، ١/١٦٤، وانظر: مدكور، المعجم الفلسفي، ص٢١٦. ---^
- انظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/٢٨١. ---^
- الجرجاني، التعريفات، ص٢٢١. ---^
- انظر: الأنصاري، الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، ص٦٦. ---^
- انظر: البركتي، التعريفات الفقهية، ص٢١١. ---^
- انظر: ابن تيمية، درء التعارض، ٧/٤٢٤. ---^
- انظر: الباجي، الحدود في الأصول، ص٩٦. ---^
- انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٤/٣٠، وانظر الكلمة الشهيرة المنقولة عن نجم الدين الكبرى كما أوردها الذهبي في سير أعلام النبلاء، ١٦/١١٨، إذ نقل عنه أنه قال عن علم اليقين: (واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها). ---^
- انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٢/٣٩. ---^
- انظر: ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، ٨/٤٥٤، وفيه ما نصه: (إن كان مما أمرنا فيها باليقين كاليقين بالوحدانية والإيمان بالرسول والإيمان باليوم الآخر مما أمرنا فيه باليقين، لم يمكن إثباتها إلا بأدلة يقينية، وأما ما لا يجب علينا فيه اليقين كتفاصيل الثواب والعقاب ومعاني بعض الأسماء والصفات، فهذه إذا لم يكن فيها دليل قطعي يدل على أحد الطرفين كان القول مما يترجح من الأدلة أن هذا هو الظاهر الراجح قولاً عدلاً مستقيماً؛ بل كان خيراً من الجهل المحض). ---^
- ليس المقصود بالأولية هنا أولية رتبة، بل أولية عمل، وهي مستنبطة من قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧﴾ [النحل:٧٨]. ---^
- انظر: ابن حزم، التقريب، تحقيق: إحسان عباس، ص٥٥، وانظر: ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص١١. ---^
- وقولنا بضرورة الإدراك الحسي ويقينيته يغني عن التدليل عليه من القرآن والسنة وغيرها من الدلائل، وإذا ذكر التدليل فإنما يكون من قبيل التنبيه لا التأسيس. ---^
- وتعرف بأنها الحد الأدنى من شدة المثير الذي يمكن لعضو الحس اكتشافه، ومثاله: موضوع مرئي بعيد جدا لا تدركه حاسة الإبصار عادة، أو صوت شديد الانخفاض لا تدركه حاسة السمع عادة، ونحو ذلك. انظر: محمد بني يونس، سيكولوجية الإحساس والإدراك، ص٤٠، وانظر: محمد التكريتي، بحث في هندسة النفس الإنسانية، ص٣٣. ---^
- انظر: يوسف كرم، العقل والوجود، ص٦٧-٦٨. ---^
- انظر: ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص٣٠٠. ---^
- انظر: القاضي عبد الجبار، المغني، كتاب: النظر والمعارف، ص٥٥-٥٦، وانظر: ابن تيمية، بغية المرتاد، ص٢٦٧. ---^
- انظر: ابن تيمية، بغية المرتاد، ص٢٦٠. ---^
- انظر: ابن تيمية، درء التعارض، ٩/٢٢. ---^
- انظر: ابن تيمية، بغية المرتاد، ص٢٥٢. ---^
- انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٩/٣٠٣-٣٠٤. ---^
- انظر: يوسف كرم، العقل والوجود، ص٢٣. ---^
- انظر: الجرجاني، التعريفات، ص٨٩. ---^
- انظر: ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص٢١١. ---^
- انظر: ابن حجر، نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص٨٥. ---^
- انظر: المرجع السابق، ص٩٩. ---^
- هو المنهج الذي يتتبع الجزئيات كلها أو بعضها للوصول إلى حكم عام يشملها جميعا، ومن ثم فهو تام وناقص. انظر: محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، ص٣٦. ---^
- هو المنهج الذي يسير من العام إلى الخاص، أو من الكل إلى الجزء، بمعنى أنه يطبق القوانين العامة على الجزئيات المندرجة تحته. انظر: محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، ص٣٦. ---^
- انظر: ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص٢٠١. ---^
- انظر: محمود قاسم، المنطق الحديث ومناهج البحث، ص٤٢. ---^
- [التوبة: ١٢٤-١٢٥]. ---^
- [المائدة:٦٤]. ---^
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٣/٣٣٢. ---^
- انظر: ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، ص٣٤٦. ---^
- [الصف:٥]. ---^
- [الأنعام:١١٠]. ---^
- [النساء:٦٦]. ---^